فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 135

ولكن القاعدة السابقة أيضًا ليست على إطلاقها، حيث توجد أمور لا يتم الواجب إلا بها، وهي في طوق المكلف في العادة ولكن الشريعة الحكيمة لم توجبها، ومن ذلك إيجاب السعي على الفقير لتحصيل نصاب للزكاة حتى يخرج الزكاة الواجبة، وكذلك حتى يجمع مالًا يمكنه من الحج الواجب، وهذا لم توجبه الشريعة ولذلك فلا يجب، وذلك أن هذا كان في طوق المكلفين وقت نزول التشريع، ولم يوجبه الله عليهم، ويعرف علماء الأصول هذا الاستثناء بقولهم: (ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فوجوب الزكاة يشترط له النصاب، ووجوب الحج يشترط له الاستطاعة ولا يجب على المكلف السعي لتحصيل النصاب، وبلوغ الحج.

هذه القاعدة تعني أنه إذا تعذر علينا أن نترك الحرام إلا بترك أمر ما فإن هذا الترك يكون واجبًا، ومثاله: ما إذا اختلط الحرام بالحلال بصورة يستحيل تمييزها كمن اختلط عليه لحم مذكى بآخر ميتة، أو من اختلط عليه من يحل له الزواج بها بأخته من الرضاع فعند ذلك يجب ترك الجميع لأنه لا يستطيع توقي الحرام إلا بفعل ذلك (الترك) فيكون الترك واجبًا.

ينقسم الواجب بحسب من يقوم به إلى قسمين:

(أ) واجب عيني: وهو ما يجب ويلزم كل فرد من المكلفين كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت مرة في العمر ... الخ، وهذه الواجبات ينظر فيها الشارع الحكيم إلى عين المكلف تهذيبًا لنفسه، وعبادة لربه.

(ب) واجب كفائي: وهو ما ينظر فيه الشارع إلى نفس الفعل بصرف النظر عمن يقوم به ذلك كالإمامة الكبرى، وإمامة الصلاة، والدفاع عن المسلمين، وسد حاجة المحتاجين، ودفن الميت، وبناء المساجد، وصناعة السلاح، واكتفاء المسلمين في معاشهم عن الكفار ...

وغير ذلك مما يحتاج إليه مجتمع المسلمين ليكون مجتمعًا كاملًا متكاملًا آمنا عزيزًا قويًا مؤديًا لحقوق الله، وكل هذه الواجبات تجب على مجموع الأمة فإن قام بها بعض منهم سقط الواجب على جميع الأمة لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء:58)

وهذا خطاب للأمة كلها فإن قامت به، وعينت الإمام العادل الكفء سقط الإثم عنها، وحصلت المثوبة لها، وإن لم يقم به أحد كان الجميع آثمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت