ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أن السبر والتقسيم طريقة عقلية ومسلك من مسالك البحث المراد.
والمقصود بالسبر والتقسيم في البحث عن العلة التي ليس فيها نص صريح بالدلالة عليها هو أن نستخدم هذه الطريقة ومعناها فرض جميع المحتملات الممكنة.
وهذا معناه التقسيم والثاني اختبار كل فرضية من الفرضيات والنظر هل تصلح تعليلًا لهذا الحكم أم لا؟
ومثاله نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد. فالبحث في علة هذا الحكم يكون هكذا ..
لنفرض أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم ذلك لأن الذهب والفضة معادن، أو لجمال الذهب والفضة ولمعانهما، أو لأنهما يتحلى بهما، أو لاستخدامهما في النقود وأنها أثمان الأشياء وقيم الموجودات .. فهذا مثلا هو وضع كافة الفروض المحتملة للتحريم.
وهكذا يقال بالنسبة إلى تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم الربا في القمح، والشعير والزبيب، والتمر .. هل هو لذواتها أو لعلل فيها؟ فبالتقسيم نقول لعلة الكيل والوزن أو لعلة الطعم، أو لعلة الادخار، أو لأنه القوت، وعند اختبار كل الفروض السابقة نصل حسب اجتهادنا إلى المعنى والعلة التي من أجلها كان الربا في هذه وبالتالي يتعدى عند التعليل إلى مثيلاتها.
لا شك أنه يجوز أن نعلل الحكم الواحد بعلتين أو أكثر لأن كلا منهما مناسبة كتعليل النهي عن لبس الذهب للرجال بأن في ذلك مشابهة للكفار وللترف، ولأنهما أثمان، ونحو ذلك مما هو مناسب للتعليل ومن رأى أن نهي الرجال عن لبس الذهب للترف حرم عليهم الماس والأحجار الكريمة من باب الأولى والأحرى.
المناط كما قدمنا هو ما يعلق عليه. والمقصود بتخريج المناط هو معرفة العلة التي هي مناط الحكم عن طريق الاستنباط، فهذه العملية أعني البحث عن علة الحكم بطريقة الاستنباط تسمى تخريج المناط، وتشمل ما ذكرنا في هذا الصدد من مبحث الإخالة والتأثير، والسبر والتقسيم.
تحقيق المناط في اصطلاح الأصول معناه تطبيق حكم الأصل في الفرع إذا تحقق أن هذا الفرع مندرج تحت الأصل تماما، وأن علة الحكم موجودة فيه.