أبواب المندوب واسعة جدًا بحيث لا يستطيع فرد مهما أوتي من قوة التحمل ووافر الهمة عزيمة النفس أن يحيط بها جميعًا أو يحصيها كلها .. ففي باب الصلاة -مثلًا- شرعت صلاة الليل بداءً من ثلث الليل إلى ثلثيه، وهذه عبادة لا يقوى عليها إلا الأفذاذ من أهل الهمة والعزيمة، وكانت واجبًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} (الإسراء:79)
ولكنها مستحبة في حق الأمة لقوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واقرضوا الله قرضًا حسنًا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} (المزمل:20)
وهذه الآية ناسخة لوجوب قيام الليل على المسلمين الذي كان فرضًا عليهم في أول الإسلام والثابت بقوله تعالى: {يا أيها المزمل* قم الليل إلا قليلًا} (المزمل:1 - 2)
ويأتي بعد قيام الليل الرواتب في الصلوات وهي اثنتا عشرة ركعة: ركعتا الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ويأتي بعد ذلك النفل المطلق غير هذا وهذا، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [الصلاة خير موضوع] (رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الألباني في صحيح الجامع(3870 ) )
ونفل الصيام حد النبي صلى الله عليه وسلم أقصاه بأنه صيام يوم وإفطار يوم، ونفل الصدقة والزكاة وهو إخراج كل ما فاض عن الحاجة الضرورية للإنسان وقد ندبنا إلى الحج والعمرة ولو كان ذلك كل عام، وتأتي نوافل الخير المطلق، من صلة الأرحام، وبر الوالدين، والسعي في حاجات الناس، والذكر والدعاء، ونشر العلم، وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ... الخ.
وهكذا نجد أن أبواب المندوب أبواب واسعة لا يستطيع المسلم مهما أوتي من الجلد والقوة أن يحيط بها جميعًا وأن يغطي كل أبوابها، ولذلك شرع لنا أن نأخذ منها ما نستطيع، وأن لا نغالي فيها حتى لا تنقطع النفس، وتفتر العزيمة.
وقد شرع المندوب لحكم عظيمة منها:
(1) جبر النقص الحاصل في الواجبات، وذلك أن الإنسان مهما أوتي من الحرص والحذق لا بد وأن يحصل له بعض التقصير في الواجبات لذلك شرعت النوافل تتميمًا وتكميلًا لنقص الفرائض والواجبات.