ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (هششت يوما فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما: قبلت وأنا صائم فقال صلى الله عليه وسلم: [أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟] قلت: لا بأس بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ففيم؟] ) (رواه أحمد(1/ 21) وأبو داود (2385) وابن خزيمة (1999) والإحسان في تقريب ابن حبان (3544) والحاكم (1/ 431) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2089 ) )
وهذا الحديث دليل قطعي على استحباب القياس لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد عمر إلى النظر، وهو قياس القبلة على المضمضة، وكان عمر يعلم حكم المضمضة قبل أن يسأل الرسول عن القبلة فأرشده الرسول أنها مثلها، واستنكر عليه أن يستعظم ذلك حيث قال عمر: (صنعت اليوم أمرا عظيما) . فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [ففيم؟] أي ففيم كان هذا الأمر عظيما وأنت تعلم أن الشريعة قد جاءت بمثله.
ومما يدل على ذلك أيضا ما جاء في الصحيحين من أن أعرابيا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت ولدا أسود. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [هل لك من إبل؟] قال: نعم، قال: [ما ألوانها؟] قال: حمر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: [فهل فيها من أورق؟] قال: نعم إن فيها لورقا. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: [فأنى أتاها ذلك؟] قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال النبي صلى الله عليه وسلم: [وهذا عسى أن يكون نزعه عرق] . (رواه البخاري(5305) ومسلم (1500) من حديث أبي هريرة)
فبين النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي أن نزع العرق يعني لحوق الوليد لصفات بعيدة في الأجداد، وكما يكون في الإبل فكذلك يكون في البشر، وهذا تنبيه من الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي إلى مقايسة الشيء بنظيره.
ولا شك أن كل هذا يدل على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، وأن الشريعة ترشد الى وجوب مقايسة النظير بنظيره، وإعمال العقل والفكر في ذلك.
لما كان القياس من الأدلة التي يتطرق إليها الخلل كثيرا، وذلك أنه اجتهاد، والاجتهاد قابل للخطأ والصواب، لذلك وجب ضبط قواعده، ومعرفة حدوده وأبعاده وتحقيق معانيه حتى يعلم على اليقين القياس الصحيح من القياس الفاسد، وإليك أهم هذه القواعد التي يجب معرفتها، ومراعاتها للوصول إلى القياس الصحيح والبعد عن الأقيسة الفاسدة.
وللقياس أركان أربعة كما قدمنا وهي: الأصل، الفرع، والعلة، والحكم وسنأتي إلى بيان كل ركن من هذه الأركان والشروط الموضوعية فيه: