أقول: هؤلاء يهود قتلة الأنبياء يزعمون أنهم لا يؤمنون بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى يأتيهم بقربان وتهبط نار فتأكله، وما دام لم يفعل فهم على عهدهم مع اللَّه ملتزمون بالزبور كما يزعمون والباء تسقط قياسا قبل (أن) المصدرية. والعهد
هنا معناه الوصاة وهو أظهر لشناعة يهود وأكشف عن خستهم ولؤم طبيعتهم من تضمين عهد معنى (ألزم وأمر) لأنهم يريدون تبرير كفرهم بالرسالة المحمدية بقوة تدينهم وفرط عنايتهم بأوامر ربهم فاللَّه أمرهم وألزمهم (كذا) فلا يؤمنون لرسول حتى يأتيهم بمعجزة.
أما تضميننا (الوصاة) فاحتمال التحلل منها ليس بالهين على المتقين ذوي البصيرة وهذه تتعدى بـ (إلى) والباء كما جاء في المعجم.
ويبقى للسياق دوره في توجيه المعنى فيما دل عليه دليل وأرشد إليه نظر، في فضح كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر وافترائهم على الله، لا يصح الغفول عنه والغضُّ من نفاسته، فهو أنبه له وأذهب في كشف الستر عنه.
(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ...(193)
ذكر الزجاجي: اللام معناها (إلى) وكذلك الزركشي والموزعي.
وقال الزمخشري: مررت بهادِ يهدي للإسلام وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك.
وقال الآلوسي وأبو السعود: المراد بالنداء الدعاء.
أقول: ولعله يأتي لازما ومتعديا ففي اللازم يتضمن معنى (يدعو ويرشد) كما في قوله تعالى: (يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) فنداؤه مختص بالدعوة والإرشاد وفي قوله (نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) : أي دُعِي.
وفي المتعدي يتضمن معنى (كلم) : قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ) .
أو معنى (حاسب) : قل تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا) .
أو معنى (استغاث) : قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ...) .
فإذا شارفنا أحد هذه المعاني في مساقه أو تلوح لنا بعضها على وجهٍ من التأويل عند أهل النظر أثبتناه لنُبل قدره.
ولعل إيثار (ينادي) على (يدعو) لينسجم مع السياق، فلفظ سمعنا يستدعي (ينادي) أما (يدعو) فقد تكون الدعوة عن طريق الكتب أو الصحف أو النشرات.