ألا ترى أنهم لزموا في الاستعمال الفعل المضارع المنفي ب «لا» ، ولم يدركوا أن الماضي «ألا» قد استعمله أهل الفصاحة طوال العصور. ولعل نفرا من العارفين بشيء من العلم اللغوي يقولون: «لم يأل جهدا» إذا ما أرادوا المضيّ.
وكنا قد مررنا بإيجاز على هذه المادة الغنية المعطاء.
13 -وقال تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [الآية 122] .
أقول: لنا في هذه الآية قولان:
الأول في كلمة «همّت» ، والثاني في قوله: «تفشلا» .
فأما الأول، فقد قالوا: همّ بالشيء يهمّ همّا: نواه وأراده وعزم عليه.
وأهمّه الأمر: أقلقه وحزنه.
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف/ 24] .
غير أني أريد أن أشير إلى الفعل «همّ» في الآية 122 من سورة آل عمران. في قوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ومثله في[الآية 113
من سورة النساء]: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ.
إن الفعل «همّ» ، في كلتا الآيتين، قد أتبع بالمصدر المؤوّل من «أن والفعل» ، وهذا الاستعمال يذكّرنا بطائفة من الأفعال، أفرد لها النحاة بابا أسموه أفعال المقاربة والرجاء والشروع، وهي كاد وكرب وأوشك، وعسى وحرى واخلولق، وجعل وأخذ وشرع وقام وأنشأ ونحوها.
قلت: إن الفعل «همّ» في الآيتين يذكرنا بهذه الأفعال في استعمالها من حيث أنها يليها «أن والفعل» .
ألا ترى أن في قوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ شيئا من معنى «أوشك» واستعمالها واحد.
وكان على النحاة الأوائل أن يقفوا على هذا الاستعمال، ويشيروا إلى هذه العلاقة كما أفصحت عنها لغة التنزيل العزيز.
وأما القول الثاني، فهو في معنى «الفشل» ، لقد قالوا:
الفشل: الرجل الضعيف الجبان، وفشل الرجل فشلا، أي: كسل وضعف وتراخى وجبن ...
وعلى هذا يخرّج الفعل في الآية المذكورة.
ومثله في قوله تعالى: (حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [الآية 152] .
وقوله تعالى: (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [الأنفال/ 43] .
وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال/ 46] .
أقول: فكيف آل الفعل في العربية المعاصرة؟ لقد صار الفعل «فشل» ، بمعنى خاب وأخفق في مسعاه، يقال: