ومن أجل هذا، اقتضى جماع هذه المواد والأفكار أن يثقل رصيد هذه الكلمة ويزداد ثقلا يوما بعد يوم.
فماذا صنع المترجمون العرب؟
لقد أخذوا هذه الكلمة الواسعة فنظروا إليها بما يخدم السلوك والتربية، فدخلت في عداد المعجم التربوي التعليمي، ثم كتب لها أن تتسع فتغزو دوائر أخرى.
ثم كيف اختاروا مادة «ثقف» للدلالة الجديدة الوافدة؟
لقد وجدوا أن في هذه المادة العربية كلمة «ثقاف» ، وهو من أسماء الآلات والأدوات، والثّقاف ما تقوّم به الرماح وتسوّى، فاشتقوا منه مصدرا هو «الثقافة» ، لما في الأصل، وهو اسم الآلة، من معنى التقويم والتسوية والتعديل، وكل ذلك يدخل في معاني التربية القائمة على تقويم السلوك البشري.
وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن العربية البدوية، بثروتها القديمة ذات الأصول البدوية، قد أمدّت العربية الحضارية بمصدر لغوي كبير، أفضى إلى مواد الحضارة المشهورة، كالعقل والحكمة، والحكم والحكومة، والنقد والبناء، والجمال وغير ذلك مما عرف في المعاني الحضارية. ولو أنك أعملت الفكر لاهتديت بيسر إلى تلك الأصول البدوية التي أوشك أن يمحي أثرها.
12 -وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [الآية 118] .
أريد أن أقف على الفعل «ألا، يألو» .
قالوا: ألا يألو ألوا وألوّا وأليّا، وألّى يؤلّي تألية.
ومثلهما ائتلى بمعنى قصّر وأبطأ، قال:
وإنّ كنائني لنساء صدق ... فما ألّى بنيّ ولا أساؤوا
والعرب تقول: أتاني فلان في حاجة فما ألوت ردّه، أي: ما استطعت.
وأتاني في حاجة فألوت فيها، أي:
اجتهدت.
وقال الأصمعي: يقال: ما ألوت جهدا، أي: لم أدع جهدا.
وقوله تعالى: (لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا الآية، أي: لا يقصّرون في فسادكم.
وقولهم: لا آلوك نصحا ولا آلوك جهدا، والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه.
أقول: هذا هو المعنى الذي ما نزال نستعمله في عربيتنا المعاصرة فنقول:
فلان لا يألو جهدا في عمله، أي: لا يقصر، ولا ينقص من جهده.
ولكني أميل إلى أن أقرر أن المعاصرين التزموا، في عربيتهم المعاصرة، في الألفاظ والجمل والأبنية والصفات، نماذج لا يحيدون عنها قيد أنملة، وكأنّ العربية خلت من وجوه القول في هذه المسألة إلا ما ألفوا استعماله وسنشير إلى هذا الالتزام كلما عرض شيء من ذلك.