والحزن لكفر الكافرين طاعة ما لم يجاوز الحدّ، فالنّهي ههنا عن مجاوزة الحدّ في الحزن دون الحزن القليل، كقوله: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ} [فاطر:8] ، وقوله:
{فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ} [الكهف:6] .
و (مسارعتهم في الكفر) : مسابقتهم فيما بينهم.
{إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ:} بيان لغير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذ هو كان عالما بذلك قبل هذا البيان بإذن الله عزّ وجلّ، كقوله: {وَما ظَلَمُونا} [البقرة:57] .
ثمّ بيّن موجب مسارعتهم في الكفر، وهو إرادته سبحانه وتعالى أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة.
178 - {الَّذِينَ كَفَرُوا:} في محلّ الرّفع بإسناد الفعل إليه إذا قرأت بالياء، وفي محلّ النّصب إذا قرأت بالتّاء.
{أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ:} مفعول قائم مقام مفعولين إذا قرأت بالياء، كقولك: لا يظنّنّ زيد أنّه منطلق، وهو المفعول الثاني لفظا إذا قرأت بالتّاء، كقولك: لا تظنّنّ زيدا أنّه منطلق، وفي الحقيقة المفعول الثاني هو المفعول حقيقة فقط؛ لأنّك تنهى عن ظنّ الانطلاق لا عن زيد نفسه.
و (الإملاء) : «الإمهال» .
179 - {ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ:} نزلت في الفرق بين المخلصين والمنافقين، عن ابن جريج ومجاهد وابن إسحق، وذلك أنّ القوم تمنّوا أن يعطوا علامة يعرفون بها أحد الفريقين من الآخر. ومعناه: ما الله بتارك للمؤمنين.
واللام لام الجحد، وإنّما تنصب لأنّها في الحقيقة لام (كي) .
{عَلى} ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ: من حال الالتباس والاختلاط.
{حَتّى:} غاية لمجال الالتباس، كقولك: لست أدعك على ما أنت عليه حتى أعزّك وأكرمك.
{وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:} أي: لا يعطيكم ما تمنّيتم من العلامة، ولكنّ الله يلهم ويعطي العلامة من اجتباه من رسله، كقوله: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ [أَحَداً] } (26) الآية [الجنّ:26] .
و (الاجتباء) : الاختيار، أصله من اجتبيت الماء، إذا حصّلته لنفسك.
180 - {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ:} نزلت في اليهود، بخلوا بإظهار نعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عن ابن عبّاس. وقيل: مانعي الزّكاة. وقيل: في الذين امتنعوا عن الإنفاق من الجهاد.
و (البخل) : الشّحّ، وضدّه: السّخاوة، وفي الحديث أنّ البخل والجبن لا يجتمعان في قلب مؤمن.