"لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم"أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب - رضي الله عنه - ، فقال تعالى مقدماً للعدو إشارة إلى أنه عالم به وقادر عليه ، وما كان منه شيئاً إلا بإرادته ، وفيه تلويح إلى أنه الأكثر ومع كثرته هو الأضعف ، لأن الله تعالى ليس معه بمعونته وإلا لأعدم الصنف الآخر: {فمنكم} أي فتسبب عن خلقه لكم وتقديره لأشباحكم التي تنشأ عنها الأخلاق إن كان منكم بإبداعه لصفاتكم كما أبدع لذواتكم {كافر} أي عريق في صفة الكفر مهلك نفسه بما هيأه لاكتسابه ويسره له بعد ما خلقه في أحسن تقويم على الفطرة الأولى ، وفي الحديث أن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافراً فمعنى أن فطرته الأولى خلقت مهيأة للكفر ، فإن الأفعال عامة وخاصة ، فالخاصة تضاف إلى العبد يقال: صلى وصام وآمن وكفر ، والعامة تضاف إلى الله تعالى فيقال: أوجد القدرة على الحركة والسكون وخلق الحركة والسكون ، والأفعال الخاصة متعلق الأمر والنهي {ومنكم مؤمن} أي راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل منج نفسه بالأعمال الصالحة التي طابق بها العلم الأزلي ، فهو سبحانه خلق الكافر وخلق كفره فعلاً له ، والمؤمن وإيمانه فعلاً له ، لأنه خلق القدرة والاختيار وغيب أمر العاقبة ، فكل منهما يكتب باختياره بتقدير الله ، ولا يوجد من كل منهما إلا ما قدره عليه وأراده منه لأن وجود غير المقدور عجز ، وخلاف المراد المعلوم جهل ، وقد علم من هذه القسمة علماً قطعياً أن أحد القسمين مبطل ضال مخالف لأمر الملك الذي ثبت ملكه ، ومن المعلوم قطعاً أن كل ملك لا بدّ له أن يحكم بين رعيته في الأمر الذي اختلفوا فيه وينصف المظلوم من ظالمه ، ومن المشاهد أن بعضهم يموت على كفرانه من غير نقص يلحقه ، وبعضهم على إيمانه كذلك ، فعلم أن هذه الدار ليست دار الفصل ، وأن الدار المعدة له إنما هي بعد الموت والبعث ، وهذا مما هو