ومعنى: {فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 54] أي: كان وما يزال عليماً ؛ لأنه سبحانه ما دام كان عليماً ، وهو سبحانه لا تتأتى فيه الأغيار ، فهو سبحانه عليم فيما مضى ولا يزال ؛ لأنه لا يتغير ، فكان هنا لا تعني أن علمه تعالى نتيجة لحدثكم الذي أحدثتموه ، إنما هو سبحانه عالم قبل أنْ يحدث منكم .
وهذه الآية من الآيات التي وقف عندها المستشرقون ؛ ليستدركوا كما يظنون على كلام الله ؛ لأنهم دائماً يتهموننا أننا ننظر إلى القرآن بقداسة ، وأنه كلام الله فلا نُعمل فيه عقولنا ، وأنهم حين يُدقِّقون في القرآن ويتجرَّأون على البحث فيه يجدون فيه مآخذ - على حَدِّ زعمهم .
ووَجْه اعتراضهم في قوله تعالى: {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 54] ومثله: {والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] .
يقولون: إذا كان الله يمتنُّ بعلم ما نُخفي ، فما الميزة وما العظمة في علم ما نبدي؟
نقول: إياك حين تقرأ كلام الله أنْ تُحكِّم فيه عقلك قبل أنْ تؤمن أنه صادر من الله تعالى ، وأن هذا كلامه سبحانه ، وعندها أَدِرْ المسألة في عقلك وابحثها حتى تصل إلى الحكمة ووجه الإعجاز فيها .
فقوله تعالى {إِن تُبْدُواْ ... .} [الأحزاب: 54] الله لا يخاطب فرداً ، إنما يخاطب جمهرة الناس ، والإبداء من الجمهرة لا يمكن لك أن تحدد مصدر الفعل فيه ، بحيث تردُّ كلَّ صوت ، وكلَّ حركة إلى صاحبها .
وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالمظاهرة مثلاً التي تختلط فيها الأصوات وتعلوا الهتافات ، وسمعنا مثلاً مَنْ ينادي بسقوط فلان ، أنستطيع في هذه الحالة أنْ نحدد صاحب هذا الهتاف؟ لا لا نستطيع بسبب اختلاط وتداخل الأصوات ، مع أنه جَهْر أعلنه صاحبه بأعلى صوته أبداه على الملأ ، ومع ذلك لا تستطيع أنت تحديده .