ففي كلام [عليّ] دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفى كلام ابن عمر برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة، وصح بل تواتر تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح: كأبى جعفر ونافع وأبى عمرو ويعقوب وعاصم وغيرهم من الأئمة، وكلامهم في ذلك معروف، ومن ثم اشترط كثير من الأئمة على المجيز ألا يجيز أحدا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء، وكان أئمتنا يوقفونا عند كل حرف ويشيرون إلينا فيه بالأصابع؛ سنّة أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين.
وقد اصطلح الأئمة لأنواع الوقف على أسماء، وأحسن ما قيل فيه: أن الوقف ينقسم إلى اختيارى واضطرارى؛ لأن الكلام إن تم كان اختياريّا وإلا فاضطرارى، والتام لا يخلو من ثلاثة أحوال ذكرها المصنف فقال:
ص:
فاللفظ إن تمّ ولا تعلّقا ... تامّ وكاف إن بمعنى علّقا
ش: (فاللفظ) مبتدأ، والجملة الشرطية مع جوابها خبره، و (لا تعلقا) معطوف على (تم) ، و (تام) جواب الشرط، و (كاف) دليل الجواب الذي يستحقه (إن بمعنى علقا) ، والباء متعلقة ب (علق) ، وعلى القول الثانى [فهو جواب مقدم] ، يعنى الوقف ينقسم إلى: تام، وكاف، وحسن، وقبيح.
فالتام: هو الذي لا تعلق [لما بعده] بما قبله[من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده ويسمى المطلق.
والكافى: هو الذي لما بعده بما قبله]تعلق من جهة المعنى فقط، وسمى كافيا للاكتفاء به واستغنائه عما بعده، واستغناء ما بعده عنه، وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده.
والوقف التام أكثر ما يكون في رءوس الآى وانقضاء القصص؛ نحو الوقف على بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 1] ، وعلى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ، وعلى نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] ، وعلى هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5] ، وعلى إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20] وعلى وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 29] ، وعلى وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 46] .
والابتداء بما بعد ذلك كله، وقد يكون قبل انقضاء الفاصلة؛ نحو: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [النمل: 34] لأن هذا انقضاء حكاية كلام بلقيس: ثم قال الله تعالى: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: 34] ، وهو رأس الآية.
وقد يكون وسط الآية نحو لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي [الفرقان: 29] هو تمام حكاية قول الظالم، والباقى من كلام الله تعالى.