قال الدانى: تحتمل الأحرف هنا وجهين:
أحدهما: أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات؛ لأن الحرف يراد به الوجه؛ كقوله تعالى: مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: 11] أي: وجه مخصوص: وهو النعمة والخير وغيرهما، فإذا استقامت له اطمأن وعبد الله، وإذا تغيرت عليه ترك العبادة.
والثانى: أنه سمى القراءات أحرفا على طريق السعة، كعادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره، فسمى القراءة حرفا، وإن كان كلاما كثيرا؛ من أجل [أن منها] حرفا قد غير نظمه، أو كسر، أو قلب إلى غيره، أو أميل، أو زيد، أو نقص منه، على ما جاء في المختلف فيه من القراءة، فسمى القراءة إذا كان ذلك الحرف منها حرفا.
قال الناظم: والأول يحتمل احتمالا قويّا في قوله صلى الله عليه وسلم: «سبعة أحرف» أي:
[سبعة] أوجه وأنحاء. والثانى يحتمل [احتمالا] قويّا في قول عمر: سمعت هشاما يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة، [أى على قراءات كثيرة] ، وكذا قوله في الرواية الأخرى: سمعته يقرأ فيها أحرفا.
الثالث: ما المقصود بهذه السبعة؟
فأقول: أجمعوا أولا على أن المقصود ليس هو أن يقرأ الحرف الواحد على سبعة أوجه؛ إذ لا يوجد ذلك إلا في كلمات يسيرة نحو أُفٍّ [الإسراء: 23] ولِجِبْرِيلَ [البقرة: 97] وهَيْهاتَ [المؤمنون: 36] وهَيْتَ [يوسف: 23] وعلى أنه ليس المراد بالسبعة: هؤلاء المشهورين؛ لعدم وجودهم في ذلك الوقت.
ثم اختلفوا فقال أكثرهم: هي لغات، ثم اختلفوا في تعيينها:
فقال أبو عبيد: (قريش) و (هذيل) و (ثقيف) و (هوازن) و (كنانة) و (تميم) و (اليمن) .
وقال غيره: خمس لغات في أكناف هوازن: (سعد) و (ثقيف) و (كنانة) و (هذيل) و (قريش) ، ولغتان على جميع ألسنة العرب.
وقال الهروى: سبع لغات من لغات العرب، أي: أنها متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة (قريش) ، وبعضه بلغة (هذيل) ، وبعضه بلغة (هوازن) ، وبعضه بلغة (اليمن) .
وفى هذه الأقوال كلها نظر؛ فإن عمر وهشاما اختلفا في سورة الفرقان، وكلاهما قرشيان من لغة واحدة.
وقيل: المراد بها: معاني الأحكام كالحلال، والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال، والإنشاء، والإخبار.
وقيل: الناسخ، والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل، والمبين، والمفسر.
وقيل: الأمر، والنهى، والطلب، والدعاء والخبر، والاستخبار، والزجر.
وقيل: الوعد، والوعيد، والمطلق والمقيد، والتفسير، والإعراب، والتأويل.