وقال خلاد بن يزيد الباهلى: قلت ليحيى بن عبد الله بن أبى مليكة: إن نافعا حدثنى عن أبيك عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقرأ تَلَقَّوْنَهُ [النور: 15]
وتقول: إنما هو ولق الكذب، فقال يحيى: ما يضرك ألا تكون سمعته من عائشة، نافع ثقة على أبى، وأبى ثقة على عائشة، وما يسرنى أنى قرأتها هكذا ولي كذا وكذا. قلت:
ولم وأنت تزعم أنها قالت؟ قال: لأنه غير قراءة الناس، ونحن لو وجدنا رجلا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلا التوبة أو نضرب عنقه، نجيء به عن الأئمة عن الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عز وجل وتقولون [أنتم] : حدثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى، ما أدرى ماذا؟ وقال هارون: ذكرت ذلك لأبى عمرو - يعنى القراءة المعزوة إلى عائشة - فقال: قد سمعت قبل أن تولد، ولكنا لا نأخذ به.
وقال محمد بن صالح: سمعت رجلا يقول لأبى عمرو: كيف تقرأ: لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: 25، 26] ؟ قال: لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. فقال الرجل: كيف وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ فقال [له] أبو عمرو: ولو سمعت الرجل الذي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، ما أخذته عنه، وتدرى لم ذلك؟
لأنى أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به الأمة.
فانظر هذا الإنكار العظيم من أبى عمرو شيخ وقته في القراءة والأدب، مع أن القراءة ثابتة أيضا بالتواتر، وقد يتواتر الخبر [أيضا] عند قوم دون قوم،
وإنما أنكرها أبو عمرو؛ لأنها لم تبلغه على وجه التواتر.
وقال أبو حاتم السجستانى: أول من تتبع بالبصرة وجوه القرآن وألفها، وتتبع
الشواذ منها [فبحث] عن إسنادها، هارون بن موسى الأعور، وكان من القراء، فكره الناس ذلك وقالوا: قد أساء حين ألفها؛ وذلك أن القراءة إنما يأخذها قرون وأمة [عن أفواه أمة] ، ولا يلتفت منها إلى ما جاء من وراء ذلك. وقال الأصمعى عن هارون المذكور: كان ثقة مأمونا.
فانظر يا أخى - رحمك الله تعالى - حرص المتقدمين على كتاب الله تعالى والتزام نقل الأمة، حتى يقول أبو عمرو: لو سمعت الرجل الذي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخذته. وكان إجماعهم منعقدا على هذا حتى أنكروا كلهم [على] من ألفه مع اشتهار ثقته وعدالته، وأحبوا أن يضرب على ذلك، مع أنه جائز عند المتأخرين اتفاقا.