والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة؛ لأن التواتر عندهم جزء من الحد؛ فلا يتصور ماهية القرآن إلا به، وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد، وصرح به جماعات لا يحصون:
كابن عبد البر وابن عطية وابن تيمية والتونسى في تفسيره والنووى
والسبكي والإسنوى والأذرعى والزركشى والدميرى والشيخ خليل
وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، رحمهم الله.
وأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكى، وتبعه بعض المتأخرين وهذا كلامهم:
قال الإمام [العالم] العلامة برهان الدين الجعبرى في «شرح الشاطبية» : ضابط كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت العربية مطلقا، ورسم المصحف ولو تقديرا، فهى من الأحرف السبعة، وما لا تجتمع فيه فشاذ.
وقال في قول الشاطبى:
ومهما تصلها مع أواخر سورة ... ... ... ...
وإذا تواترت القراءة علم كونها من الأحرف السبعة.
وقال أبو القاسم الصفراوى في نهاية «الإعلان» : اعلم أن هذه السبعة أحرف
والقراءات المشهورة نقلت تواترا، وهي التي جمعها عثمان في المصاحف وبعث بها إلى الأمصار، وأسقط ما لم يقع الاتفاق على نقله ولم ينقل تواترا، وكان ذلك بإجماع من الصحابة.
ثم قال: فهذه أصول وقواعد تستقل بالبرهان على إثبات القراءات السبعة، والاعتماد
عليها والأخذ بها، وطرح ما سواها.
وقال الدانى - رحمه الله -: وإن القراء السبعة ونظائرهم من الأئمة متّبعون في [جميع] قراءاتهم الثابتة عنهم التي لا شذوذ فيها، ومعنى «لا شذوذ فيها» ما قاله الهذلى: ألا يخالف الإجماع.
وقال [الإمام أبو الحسن] السخاوى - رحمه الله - [إن] الشاذ مأخوذ من قولهم:
شذ الرجل يشذ، ويشذ، شذوذا، إذا انفرد عن القوم واعتزل عن جماعتهم، وكفى بهذه التسمية تنبيها على انفراد الشاذ وخروجه عما عليه الجمهور، والذي لم يزل عليه الأئمة الكبار [و] القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدّثين وأئمة العربية: توقير القرآن، واتباع القراءة المشهورة، ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة وغيرها، واجتناب الشواذ؛ لخروجها عن إجماع المسلمين، وعن الوجه الذي ثبت به القرآن وهو التواتر.
وقال ابن مهدى: لا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ.