وأما أبو شامة فقال في «شرحه للشاطبية» : «وذكر المحققون من أهل العلم [بالقراءة] ضابطا حسنا في تمييز ما يعتمد عليه من القراءات وما يطرح، فقالوا: كل قراءة ساعدها خطّ المصحف، مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهى قراءة صحيحة معتبرة، فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة ضعيفة، وأشار إلى ذلك الأئمة المتقدمون، ونص على ذلك أبو محمد مكى في تصنيف له مرارا، وهو الحق الذي لا محيد عنه، على تفصيل فيه قد ذكرناه في موضع غير هذا» . انتهى.
وكلامه صريح كما ترى في أنه لم يجد نصّا بذلك لغير أبى محمد مكى، وحينئذ يجوز أن يكون الإجماع انعقد قبله، بل هو الراجح؛ لما تقدم من اشتراط الأئمة ذلك كأبى عمرو
ابن العلاء وأعلى منه، بل [هو] الحق الذي لا محيد عنه، وكلام الأئمة المتقدم ليس فيه إشارة إلى شيء من ذلك، إنما فيه التشديد العظيم؛ مثل قولهم: إنما هو والله ضرب العنق أو التوبة.
ولو سلم عدم انعقاد الإجماع فلا يدل على الاكتفاء بثقة [عن] ثقة فقط، بل كل من تبعه قيد كلامه بأنه لا بد مع ذلك أن تكون مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم، فعلى هذا لا يثبت القرآن بمجرد صحة السند؛ لأنه مخالف لإجماع المتقدمين والمتأخرين.
فصل: إذا تقرر ما تقدم علم أن الشاذ عند الجمهور: هو ما ليس بمتواتر، وعند مكي ومن وافقه: هو ما خالف الرسم أو العربية، ونقل ولو بثقة عن ثقة، أو وافقهما ونقل بغير ثقة، أو بثقة لكن لم يشتهر.
وأجمع الأصوليون والفقهاء والقراء وغيرهم على القطع بأن الشاذ ليس بقرآن؛ لعدم صدق حد القرآن عليه بشرطه: وهو التواتر، صرح بذلك الغزالى، وابن الحاجب في كتابيه، والقاضى عضد الدين وابن الساعاتى والنووى، [وغيره ممن لا فائدة في عده لكثرته، وكذلك] السخاوى في «جمال القراء» .