وأول كل سورة البسملة بقلم الوحى، إلا أول سورة براءة فجعلوا مكانها بياضا، وجرّدوا المصاحف [كلها] من [أسماء السور، ونسبتها، وعددها، وتجزئتها، وفواصلها تبعا لأبي بكر، وأجمعت الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى، مما كان مأذونا فيه توسعة عليهم، ولم يثبت عندهم ثبوتا مستفيضا أنه من القرآن] وجردت هذه المصاحف كلها من النقط والشكل ليحتملها ما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط.
تنبيه:
تقدم أن هذا الترتيب الواقع في سور المصحف اليوم هو الذي في المصحف العثمانى المنقول من صحف الصديق - رضي الله عنه - المنقولة مما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول القرّاء.
قلت: وفيه نظر؛ فقد ورد في «صحيح مسلم» من حديث حذيفة - رضي الله عنه - قال: «صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثمّ مضى، فقلت: يصلّى بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح سورة النّساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها ... » ثمّ ساق الحديث.
قال القاضى عياض: فيه دليل لمن يقول: [إن] ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم، بل وكله إلى أمته
بعده، وهذا قول مالك - رضي الله عنه - وجمهور العلماء، واختاره القاضى أبو بكر بن الباقلاني.
قال ابن الباقلاني: وهو أصح القولين مع احتمالهما.
قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة، ولا في الدرس والتلقين.
قال: وأما عند من يقول: إن ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، فيتأول ذلك على أنه تام قبل التوقيف، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ.
قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة.
قال: وقد أباحه بعضهم، وتأول نهى السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها.
قال: ولا خلاف أن ترتيب [آيات] كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هو عليه الآن في المصاحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام القاضى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإنما كتب عدة مصاحف؛ لأنه قصد إنفاذ ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد