وحيثما يختلّ ركن أثبت ... شذوذه لو انّه في السّبعة
ش: (حيثما) : اسم شرط، و «يختل ركن» : جملة الشرط، و (أثبت شذوذه) : جملة الجواب، و (لو انّه) : عطف على مقدر، أي: [ولو ثبت أنه في السبعة] ، و (أنه) فاعل عند سيبويه ومبتدأ عند غيره، وخبره محذوف، أي: ولو كونه في السبعة حاصل، وقيل: لا خبر له لطوله. والله تعالى أعلم.
اعلم - وفقنى الله تعالى وإياك - أن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور [لا على] حفظ المصاحف والكتب، وهذا من الله تعالى غاية المنة على هذه الأمة، ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[«قال الله تعالى لى: قم في قريش فأنذرهم، فقلت:
يا ربّ إذا يثلغوا رأسى حتّى يدعوه خبزة، فقال: إنّى مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان» فأخبر الله تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته: «أنا جيلهم في صدورهم» بخلاف أهل الكتاب الذين لا يقرءونه كله إلا نظرا.
ولما خص الله تعالى بحفظه من اختاره من أهله، أقام له أئمة متقنين تجردوا لتصحيحه راحلين ومستوطنين، وبذلوا جهدهم في ضبطه وإتقانه، وتلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم حرفا حرفا في أوانه، وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من لم يبق عليه منه إلا أقله، وسيأتي كل ذلك، وأذكر عددهم هنالك.
ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام بالأمر بعده أحق الناس به، أبو بكر المعلّم والمعلّم، وقاتل هو والصحابة مسيلمة الكذاب، أشير عليه أن يجمع القرآن في مصحف واحد؛ رجاء الثواب وخشية أن يذهب بذهاب قرائه، توقف من حيث إنه صلى الله عليه وسلم لم يشر عليهم فيه برأى من آرائه، ثم اجتمع رأيه ورأى الصحابة على ذلك، فأمر زيد بن ثابت أن يتتبعه من صدور أولئك، قال زيد: والله لو كلفونى نقل الجبال لكان أيسر على من ذلك. قال: فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال والرقاع - وهي قطع الأدم - والأكتاف - وهي عظام الكتف المنبسط كاللوح والأضلاع - والعسب - سعف النخل - واللخاف - الأحجار العريضة البيض - وذلك لعدم الورق حينئذ. قال زيد: فذكرت آية كنت [قد] سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ[التوبة:
128]فلم أجدها إلا عند خزيمة بن ثابت.