ولا يليق بذي الفضل والسَّعَة أنْ يعامل الناس بالعدل ، فصحيح أن مِسْطح كان يستحق هذه القطيعة وهذا الحرمان ، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصِّدِّيق صاحب الفضل والسَّعَة .
ولو أجريتَ إحصاءً للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون ، ستعلم أن المؤمنين قِلَّة والكافرين كثرة ، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في الكون: أعطوا مَنْ آمن ، واتركوا مَنْ كفر؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مَثَلاً في ذاته عز وجل ، فكما أنه يعطي مَنْ كفر به ويرزقه ، بل ربما كان أحسن حالاً مِمَّنْ آمن ، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عَمَّنْ أساء إليك .
لذلك يقول سبحانه في آية أخرى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224] .
فإنْ كنت بارّاً بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك لا تبرُّه ، فقد تهدأ ثورتك عليه ، وتريد أنْ تبرَّه ، وتتحجج بحلفك ، إذن: لا تجعلوا الله عُرْضة لحلف يمنعكم من المعروف .
ثم يقول سبحانه: {أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله . .} [النور: 22] صحيح أن مِسْطح من ذوي قُرْبى أبي بكر ومن المساكين ، لكن يعطيه الله نيشاناً آخر ، فلم يخرجه مَا قال من وصف المهاجر ، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم .
فمن فضل الله تعالى على عباده أن السيئة لا تُحبط الحسنة ، إنما الحسنة بعد السيئة تحبطها ، كما قال عز وجل: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات . .} [هود: 114] .
فرغم ما وقع فيه مِسْطح ، فقد أبقاه الله في العَتْب على أبي بكر ، وتحنين قلبه ، وأبقاه في المهاجرين .