فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 314701 من 466147

هذا موقف الصِّديق رقيق القلب ، ليِّن الجانب ، صاحب الرحمة والحنان ، الذي تقول عنه ابنته"إنه رجل بكّاء"يعني: كثير البكاء . في حين يعارضه في أمر الحرب عمر مع عُرِف عنه من الشدة والقسوة على الكفار . لكن هذا التناقض في موقف كل منها يقوم دليلاً على أن الإسلام ليس طَبْعاً غالباً على المسلم إنما موقف يعود المسلم إليه ، فموقف الردة هو الذي جعل من الصِّدِّيق أسداً شجاعاً قاسيَ القلب ، ولو أن عمر في مكانه من المسئولية وفعل كما فعل الصِّدِّيق لقالوا: شِدّة أَلِفها الناس من عمر .

فكأن الإسلام لا يريد أن يطبع المسلم على طبْع خاص يظل عليه ، إنما الموقف هو الذي يطبعك إيمانياً ، وهذا ما ذكرناه في قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ . .} [الفتح: 29] .

فالمسلم ليس مفطوراً لا على الشدة وحدها ، ولا على الرحمة وحدها ، إنما عليه أنْ يتصرَّف في كل موقف بما يناسبه على ضوء ما شرع الله .

فقوله تعالى: {أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة . .} [النور: 22] يقول للصِّديق: أنت رجل فاضل صِدِّيق ، وعندك سعة فلا تعطي ولا تُؤثر على نفسك من ضيق ، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل هذا الخطأ الذي وقع فيه مِسْطح ، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله ، وعُوقِبَ بحدِّ القذف ثمانين جَلْدة ، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك .

ومن سماحة الإسلام أن مَنْ وقع في حَدٍّ وعُوقِب به لا يجوز لأحد أنْ يُعيِّره بذنبه ؛ لأنه تاب وأناب وطهّره الله منه بالحدِّ ، وانتهت المسألة ، وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه .

فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: ارجع إلى فضلك يا أبا بكر ، وعُدْ أنت إلى سعتك ، وكُنْ موصولَ المروءة ، ولا تقطع رحمك ، يريد - سبحانه وتعالى - أنْ يُصفِّي ما في النفوس من آثار هذه الفتنة التي زلزلتْ المجتمع المؤمن في المدينة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت