{وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا . .} [النور: 22] العفو: ترك العقوبة على الذنب ، لكن قد تعفو عن المذنب ثم تُؤنبه ، وتمنّ عليه بعفوْك ، وتُذكِّره دائماً أنه لا يستحق منك هذا العفو ؛ لذلك يحثنا ربنا - تبارك وتعالى - على الصفح بعد العفو ، والصفح: تَرْك المنِّ وعدم ذكر الزلة لصاحبها حتى تصبح العقوبة عنده أهونَ من عفوك عنه .
ذلك لأن الحق سبحانه حينما يُشرِّع للبشر ما يُنظِّم العلاقات بينهم يراعي جميع مَلكات النفس ، لا يقتصر على الملَكات العالية فحسب ، إنما لكل الملَكات التي تنتظم الخَلْق جميعاً ، وليأخذ كل مِنَّا على قَدْر إيمانه وامتثاله لأمر ربه .
وفي ذلك يقول سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] .
لو تأملنا حقيقة المثْلية في رَدِّ الإساءة لوجدناها صعبة في تقديرها ، فإنْ ضربَك شخصٌ ضربة ، أعندك القدرة التي تردُّ بها هذه الضربة بمثلها تماماً بنفس الطريقة ، وبنفس القوة ، ونبفس الألم ، بحيث لا تكون أنت مُعْتدياً؟ إنك لو تأملتَ هذه المثلية لفضَّلْتَ العفو بدل الدخول في متاهات أخرى .
وسبق أن ذكرنا قصة المرابي الذي اشترط على المدين إنْ تأخر في السداد أن يقطع رطلاً من لحمه ، ولما تأخر الرجل في السداد خاصمه عند القاضي ، وأخبره بما كان بينهما من شرط ، وكان القاضي ذكياً فقال للمرابي: خُذ السكين واقطع رطلاً من لحمه ، لكن إنْ زاد أخذناه منك ، وإنْ نقص أخذناه منك ، فتراجع المرابي لأنه لا يستطيع تقدير هذه المسألة .
فإن انصرفنا عن المعاقبة بالمثل وَسِعَنا العفو ، وانتهت المسألة على خير ما يكون .
وفي مرتبة أخرى يقول سبحانه: {والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين} [آل عمران: 134] .