ثم يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ . .} [النور: 21] .
قلنا: إن فضل الجزاء يتناوبه أمران: جزاء بالعدل حين تأخذ ما تستحقه ، وجزاء بالفضل حينما يعطيك ربك فوق ما تستحق ؛ لذلك ينبغي أن نقول في الدعاء: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل ؛ وبالإحسان لا بالميزان ، وبالجبر لا بالحساب . فإنْ عاملنا ربنا - عز وجل - بالعدل لَضِعْنا جميعاً .
لكن ، في أيِّ شيء ظهر هذا الفضل؟ ظهر فضل الله على هذه الأمة في أنه تعالى لم يُعذِّبها بالاستئصال ، كما أخذ الأمم السابقة ، وظهر فَضْل الله على هذه الأمة في أنه تعالى أعطاها المناعة قبل أن تتعرَّض للحَدث ، وحذرنا قديماً من الشيطان قبل أن نقع في المعصية ، وقبل أن تفاجئنا الأحداث ، فقال سبحانه:
{فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ . .} [طه: 117] وإلا لغرق الإنسان في دوامة المعاصي .
لأن التنبيه للخطر قبل وقوعه يُربِّي المناعة في النفس ، فلم يتركنا ربنا - عز وجل - في غفلة إلى أنْ تقعَ في المعصية ، كما نُحصِّن نحن أنفسنا ضد الأمراض لنأخذ المناعة اللازمة لمقاومتها .
وقوله تعالى: {مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً . .} [النور: 21] (زكَى) تطهَّر وتنقّى وصُفِّيِ {ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] وقال: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] لأنه تعالى سبق أنْ قال: {إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ . .} [النور: 19] ذلك في ختام حادثة الإفك التي هزَّتْ المجتمع الإسلامي في قمته ، فمسَّتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصِّدِّيق وزوجته أم المؤمنين عائشة وجماعة من الصحابة .