لذلك قال تعالى (والله سَمِيعٌ) لما قيل (عَلِيمٌ) [النور: 21] بما تُكِّنُه القلوب من حُبٍّ لإشاعة الفاحشة .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى . .} .
تورط في حادثه الإفك جماعة من أفاضل الصحابة ممن طُبِع على الخير ، لكنه فُتِن بما قيل وانساقَ خلف مَنْ روَّجوا لهذه الإشاعة ، وكان من هؤلاء مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق ، وكان أبو بكر ينفق عليه ويرعاه لفقره ، فلما قال في عائشة ما قال وخاض في حقها اقسم أبو بكر ألاّ ينفق عليه ، وقد كان يعيش وأهله في سَعَة أبي بكر وفضله ؛ لأن هذه الفتنة جعلتْ بعض أهل الخير يضِنُّ به .
وهذا نموذج لمن ينكر الجميل ولا يُقدِّر صنائع المعروف ، وهذا الفعل يُزهِّد الناس في الخير ، ويصرفهم عن عمل المعروف ، والله تعالى يريد أنْ يُصحِّح لنا هذه المسألة ، فهذه نظرة لا تتفق وطبيعةَ الإيمان ؛ لأن الذي يعصي الله فيك لا تكافئه إلا بأنْ تطيع الله فيه .
وحين تترك مَنْ أساء إليك لعقاب الله وتعفُو عنه أنت ، فإنما تركتَه للعقاب الأقوى ؛ لأنك إنْ عاقبته عاقبته بقدرتك وطاقتك ، وإنْ تركتَ عقابه لله عاقبه بقدْر طاقته تعالى وقدرته .
إذن: العافي أقسى قَلْباً من المنتقم ، وسبق أنْ مثّلنا لذلك بالأخ حين يعتدي على أخيه الأصغر ، فيأتي الأب فيجد صغيره مهاناً مظلوماً ، فيأخذه في حضنه ، ويحاول إرضاءه وتعويضه عَمَّا لَحِقه من ظلم أخيه ، كذلك الحال في هذه المسألة ولله المثل الأعلى .
ومن هنا يجب عليك أن تُسَرَّ بمَنْ جعل الله في جانبك ، وتُحسن إليه ، لا أن تردّ له الإساءة بمثلها .
إذن: نزلت هذه الآية في مسطح بن أثاثة حين أقسم أبو بكر أَلاَّ ينفق عليه وعلى أهله ، وأنْ يمنع عنه عطاءه وبِرّه ، نزلت لتصحح للصِّديق هذه النظرة وتُوجِّه انتباهه إلى جانب الخير الباقي عند الله لا عند الناس .