والجواب من وجوه: الوجه الأول: إن عائشة قالت ذلك غضبًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما قالته إلا بعد أن تكرر هذا الفعل من اليهود ثلاث مرات كما تبين ذلك الرواية الصحيحة عن عائشة قالت: دخل يهودي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: السام عليك يا محمد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"وعليك"، فقالت عائشة: فهممت أن أتكلم، فعلمت كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك، فسكت، ثم دخل آخر، فقال: السام عليك، فقال:"عليك"، فهممت أن أتكلم، فعلمت كراهية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لذلك، ثم دخل الثالث فقال. السام عليك، فلم أصبر حتى قلت: وعليك السام وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير! أتحيون رسول الله بما لم يحيه الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولًا فرددنا عليهم". ورواه أبو نعيم أيضًا.
الوجه الثاني: وعائشة قالت هذا من باب الانتصار، وهذا لا إثم فيه ولا عيب، قال تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} (الشورى: 41) .
الوجه الثالث: ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشدها إلى الأفضل وهو الصبر وحسن المنطق عملًا بقول الله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى: 43) .
الوجه الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معلمًا للجن والإنس، ومن الإنس أهل بيته ومنهم زوجاته رضي الله عنهن، وقد علمها الأفضل في هذا الأمر، ولا شك أنها استجابت
وتعلمت منه ما دلها عليه ولم يرد ما يدل على خلاف هذا، ففي أي شرع أو عقل أو قانون يذم من عمل سيئة من غير علم ثم أقلع عنها وامتثل للأحسن بعد علمه بكونها سيئة.
الوجه الخامس: إنها لم تكن تعلم أنهم لا يستجاب لهم في النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أعلمها بذلك هدأت وسكنت، ولعلها لم تكن فهصت كذلك أن رد النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم يكفي، فلما علمت سكتت.