قال أبو عبيد: وكلا الفريقين إنما تأوّل الآية، فالذي لا يقبلها يذهب إلى أن الكلام انقطع من عند قوله {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} ثم استأنف فقال: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فأوقع التوبة على الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون فذهبوا إلى أن الكلام معطوف بعضه على بعض فقال {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، ثم أوقعوا الاستثناء في التوبة على كل الكلام ورأوا أنَّه منتظم له.
قال أبو عبيد: والذي يُختار هذا القول؛ لأن من قال به أكثر وأعلى، منهم عمر بن الخطاب فمن وراءه، مع أنه في النظر على هذا، ولا يكون المتكلم بالفاحشة أعظم جرمًا من راكبها، ألا ترى أنهم لا يختلفون في العاهر أنه مقبول الشهادة إذا تاب، فراميه بها أيسر جرمًا إذا نزع عما قال وأكذب نفسه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من عبده كان العباد بالقبول أولى.
مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ من ذلك: قوله {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [المائدة: 33 - 34] فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها، وأن التوبة لهؤلاء جميعًا بمنزلة واحدة.
وكذلك قوله في الطهور حين قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] فصار التيمم لاحقًا بمن وجب عليه الاغتسال كما لحق من وجب عليه الوضوء، كذلك قوله: {فَاجْلِدُوهُمْ} إلى آخر الآية كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضًا، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به. انتهى كلامه.
واختار أبو إسحاق هذا القول أيضًا، فقال: إذا استثنوا من الفاسقين خاصة فقد وجب قبول شهادتهم أيضًا؛ لأنهم قد زال عنهم اسم الفسق.