قال الإمام الرازي: «اعلم أنه - سبحانه - بعد أن بين ما على أهل الإفك، وما على من سمع منهم، وما ينبغي أن يتمسك به المؤمنون من آداب، أتبعه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا .. ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم، كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العقوبة بما أسروه، من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين.
ومعنى «تشيع» تنتشر وتكثر، ومنه قولهم: شاع الحديث. إذا ظهر بين الناس.
والفاحشة: هي الصفة البالغة أقصى دركات القبح، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك.
وهي صفة لموصوف محذوف. أي: الخصلة الفاحشة، والمقصود بمحبة شيوعها: محبة شيوع خبرها بين عامة الناس.
والمعنى: إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين، وفي شأنهم، لكي يلحقوا الأذى بهم، هؤلاء الذين يحبون ذلك «لهم» بسبب نواياهم السيئة «عذاب أليم في الدنيا» كإقامة الحد عليهم، وازدراء الأخيار لهم، ولهم - أيضا - عذاب أليم «في الآخرة» وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا.
«والله» تعالى وحده «يعلم» ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال «وأنتم» أيها الناس - «لا تعلمون» إلا ما كان ظاهرا منها، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم، واتركوا بواطنهم لخالقهم، فهو - سبحانه - الذي يتولى محاسبتهم عليها.
فالآية الكريمة يؤخذ منها: أن العزم على ارتكاب القبيح، منكر يعاقب عليه صاحبه، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش في صفوف المؤمنين، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، لأن الله - تعالى - علق الوعيد الشديد في الدارين على محبة انتشار الفاحشة في الذين آمنوا.
ثم ذكر - سبحانه - المؤمنين بفضله عليهم مرة أخرى، لكي يزدادوا اعتبارا واتعاظا فقال وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.