ففي هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا في حديث الإفك، بدون تدبر أو تعقل، حتى لكأنهم - وقد أفلت منهم الزمام، واستزلهم الشيطان - ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا بوعيهم، وبألسنتهم لا بعقولهم، ولا بقلوبهم، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها. ولا دليل معهم على صدقها.
وهذا كله يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح من تثبت ومن حسن ظن بالمؤمنين.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما هو أشد في الزجر والتهديد فقال: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
أي: وتحسبون أن ما خضتم فيه من كذب على الصديقة بنت الصديق شيئا هينا، والحال أن ما فعلتموه ليس كذلك، بل هو عند الله - تعالى - وفي حكمه شيء عظيم، تضج لهوله الأرض والسماء لأن ما خضتم فيه يسيء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويسيء إلى أهل بيته، ويسيء إلى صحابى جليل هو صفوان، ويسيء إلى بيت الصديق - رضي الله عنه - بل ويسيء إلى الجماعة الإسلامية كلها.
ثم يوجههم - سبحانه - مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه في مثل هذه الأحوال فيقول: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
وأصل معنى «سبحانك» تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص. ثم شاع استعماله في كل أمر يتعجب منه. وهذا المعنى هو المراد هنا.
والبهتان: هو الكذب الذي يبهت ويحير سامعه لشناعته وفظاعته، يقال: بهت فلان فلانا إذا قال عليه ما لم يقله وما لم يفعله.
أي: وهلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون - حديث الإفك ممن افتراه واخترعه، قلتم له على سبيل الزجر والردع والإفحام: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. أي: ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات في الكذب والافتراء.
وقلتم له أيضا - على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر: «سبحانك» ، أي: نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه، وهو في الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة.