ورحم الله صاحب الانتصاف. فقد علق على ما قالته أم أيوب لزوجها فقال: ولقد ألهمت - أم أيوب - بنور الإيمان إلى هذا السر الذي انطوى عليه التعبير عن الغير من المؤمنين بالنفس، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة عائشة، ثم أثبتت لنفسها ولزوجها البراءة والأمانة، حتى أثبتتها لصفوان وعائشة بالطريق الأولى - رضي الله عنها - .
ثم وصف - سبحانه - الخائضين في حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل، فقال: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ أي: هلا جاء هؤلاء الذين افتروا على السيدة عائشة ما افتروا، بأربعة شهداء يشهدون لهم على ثبوت ما تفوهوا به.
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ أي: وما داموا لم يأتوا بهم - ولن يأتوا بهم - فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ أي: في حكمه - سبحانه - وفي شريعته هُمُ الْكاذِبُونَ كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس، ويسجل عليهم الخزي والعار إلى يوم القيامة.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بالمؤمنين فقال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ.
و «لولا» هنا لامتناع الشيء لوجود غيره، و «أفضتم» من الإفاضة بمعنى التوسع في الشيء. والاندفاع فيه بدون تريث أو تحقق، وأصله من قولهم: «أفاض فلان الإناء، إذا ملأه حتى فاض» .
أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - في الدنيا بإعطائكم فرصة للتوبة. وفي الآخرة بقبول توبتكم، لولا ذلك «لمسكم» أي: لنزل بكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم، لا يعلم مقدار ألمه وشدته إلا الله - تعالى - .
ثم صور - سبحانه - أحوالهم في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية فقال:
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. و «إذ» ظرف لقوله - تعالى - لَمَسَّكُمْ.
أي: لمسكم عذاب عظيم. وقت تلقيكم هذا الحديث السيئ لسانا عن لسان باستخفاف واستهتار! ويأخذه بعضكم عن بعض بدون تحرج أو تدبر.
وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي: وتقولون بأفواهكم قولا تلوكه الأفواه، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل.