وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟! واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(14)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) : حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسّكم العذاب في الآخرة بذلك.
والثاني: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، واللَّه أعلم.
وقوله: (فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ) ، أي: خضتم فيه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) ، أي: بأمثالهم خيرًا، تأويله: لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا.
وفيما عظم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم يعظم وجوه:
أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن ذلك.
والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون فيمن دونهن، ويحدث أيضًا الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات.
وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) لكان كذا: هذا من اللَّه على الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافًا إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا.