أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلاً تمسح به أو ساخ الأقدار إذ إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبًا مع الحضرة.
وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم.
وقوله: (معلوم أن العالم لو كان خاليًا من الشر لكان ذلك خيرًا) ، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير والشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته.
وقوله: (إنك ما عرفتني ..) الخ .. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم.
(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ ...(43)
وإنما عبَّر بالماضي لتحقق وقوعه، كأنه وقع ومضى، وكذلك ما يجيء بعدها، ثم وصف الجنة فقال: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) أي: من تحت قصورهم، الْأَنْهارُ من عسل وخمر وماء ولبن زيادة في لذتهم وسرورهم، فالقصور مرتفعة في الهواء، والأنهار تجري تحتها.
(وَنُودُوا) أي: نادتهم الملائكة، أو الحق تعالى: (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) أي: هذه الجنة أُورِثْتُمُوها) أي: أُعطِيتموها (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: بسبب أعمالكم، وهذا باعتبار الشريعة، وأما باعتبار الحقيقة فكل شيء منه وإليه.
ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: