ثم ذكر بناء إبراهيم عليه السلام للكعبة ، ومعاونة ولده إسماعيل له ، ودعاءهما لرب البرية أن يجعلهما مسلمين له ومن ذريتهما أمة مسلمة له ، وأن يتعلما مناسك الحج ، ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يبعث فِي العرب رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وذلك الرسول هو محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فهو دعوة أبى الأنبياء إبراهيم ، وأن ملة إبراهيم هي ملة الأنبياء أجمعين ، ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ، ولقد وصى بهذه الملة الطاهرة إبراهيم ، ووصى بها يعقوب.
وإنه لا يجوز التفرق فِي دين الله بين اليهود والنصارى وأتباع محمد ، ولقد جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) بهذه الوحدة الدينية ،)... لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.
وإنه بهذه الوحدة الدينية التي تقوم على التوحيد ، قد اتجه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت المقدس ؟ لأن البيت الحرام الذي به الحج كانت الأوثان تحوطه ، فلما أذن الله تعالى بأن دولة الأوثان ذاهبة بعد الانتصار فِي غزوة بدر الكبرى حول الله تعالى قبلة المسلمين إلى الكعبة إيذانا بتخليصها من الشرك وأهله.
فأخذ السفهاء من اليهود يثيرون الشكوك حول ذلك التحويل: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ ! وقد رد الله تعالى عليهم ، وبين أن ذلك أمر قدره ، وأن وسطية الأمة الإسلامية ، وعلوها اقتضى الاتجاه إلى ما بناه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وبين سبحانه أن تغيير القبلة بجعلها لبيت المقدس أولا ، ثم تحويلها ثانيا للكعبة إنما هو اختبار للإيمان والتسليم ، وفصل الله تعالى من بعد ذلك كيف يولون وجوههم شطر المسجد الحرام أينما كانوا.
ثم ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم ، وأشار إلى أنهم سيجدون أياما غلاظا شدادا: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين.