الثاني حتى ينقرض كبارهم الّذين ألفوا الرّقّ والذل والهوان وتعودوا الخدمة والمهانة فصغرت نفوسهم عن مستواها وحقرت ولم يبق فيها حب الطموح إلى العزّة والكرامة ، وينشئ اللّه بعدهم منهم من ينشأ جديدا في تلك الصحراء التي لا يد عليهم فيها إلّا يد اللّه ، فيربون أحرارا أعزاء بنفوس أبية لا تعرف الضيم والرّق والذل الذي كان عليه آباؤهم ، فلا تلمس أنوفهم ولا يداس حماهم ولا
توطأ أرضهم ، فيقدمون على الجهاد بحزم وعزم ، فيبطشون ويظفرون ، فيكون منهم الملوك والأمراء والأنبياء.
قالوا إن اللّه أوحى إلى موسى عليه السّلام حين سجد وأخوه (بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ، ولآتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كلّ يوم سنة ، ولألقين جيفهم في هذا الفضاء ، أما أبناؤهم الّذين لم يعملوا الشّر فسيدخلونها) قالوا وكانت أرض التيه تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا ، وكان القوم ستمئة ألف ، وكانوا يرحلون اليوم كله فإذا أمسوا وجدوا أنفسهم بمكانهم ، وهذا من باب فوق العادة لأنه معجزة لرسولهم عقابا لعنادهم وجزاء لعصيانهم ، قالوا ثم شكوا إلى موسى الضّنك الذي لا قوة في تيههم من الجوع والعطش والتعب ، فدعا اللّه ربه ، فأنزل عليهم المنّ والسّلوى وظللهم بالغمام وأمر موسى بضرب الحجر فضربها فتفجرت عن اثنتي عشرة عينا لكل سبط عين ، وجعل كسوتهم قائمة معهم لا تخلق وتكبر مع كبرهم وهذه