يتضمن النص أو الخطاب الأدبي عوالم غامضة من الدلالات العائمة والأفكار الضمنية التي تختفي وراء متاريس مجازية وإيحائية. ومن هنا، يتميز النص الأدبي عن الأقوال العادية بقوالب شعرية وتخييلية، ويتسم أيضا بقوة الانزياح والخرق والترميز والأسطرة والكثافة البلاغية المعقدة والمتشابكة. وهذا يحتاج إلى قارئ ومحلل وناقد تأويلي يفكك الدلالات في ضوء مقاصدها وسياقاتها الوظيفية. ومن ثم، يتقيد بمبدأ التأويل المحلي الذي قال عنه محمد خطابي في كتابه (لسانيات النص) (1991 م) :"يرتبط هذا المبدأ بما يمكن أن يعتبر تقييدا للطاقة التأويلية لدى المتلقي باعتماده على خصائص السياق، كما أنه مبدأ متعلق أيضا بكيفية تحديد الفترة الزمنية في تأويل مؤشر زمني مثل:"الآن"، أو المظاهر الملائمة لشخص محال إليه بالاسم"محمد"مثلا. ويقتضي هذا وجود مبادئ في متناول المتلقي تجعله قادرا على تحديد تأويل ملائم ومعقول ... في مناسبة قولية معينة. إن أحد هذه المبادئ هو التأويل المحلي الذي يعلم المستمع بألا ينشئ سياقا أكثر مما يحتاجه من أجل الوصول إلى تأويل ما؛ فبهدف تقييد التأويل، يضطر المتلقي إلى اعتبار ماتقدم خاصة (وهو ما يسمى في اصطلاح ليفيس"الخطاب السابق") ." [1]
ويعني هذا كله أن الدارس للنص الأدبي لابد أن يراعي المقصدية والسياق والإحالة في عملية التأويل إن تفكيكا وإن تركيبا. ومن الذين دافعوا عن التأويل السياقي والإحالي نذكر: الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي تجاوز ثنائية فرديناند دوسوسير: الدال والمدلول، لينفتح على المرجع. ويعني هذا أن اللسانيات البنيوية والسيميائيات قد أقصيتا من حسابها الإحالة أوالمرجع، بينما سيميوطيقا بول ريكور أعادت لها الاعتبار؛ لأن المؤول لاينبغي أن يقف عند حدود التفسير العلمي للواقعة النصية، فلا بد أن يقرأ النص قراءة ذاتية من أجل فهم الذات،
(1) - محمد خطابي: نفسه، ص:56.