الصحيح، ويفهم كما أراد الله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه} (القيامة:16 - 19) ، وقد فسر ابن عباس هذه الآية بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلاقي من القرآن شدة فكان يحرك لسانه به. حال الوحي فأمره الله أن يسمع عند إلقائه إليه، وأن عليه أن يجمعه في صدره، ويقرأه كما أنزل إليه، ثم إن عليه سبحانه أن يبينه له بعد ذلك.
وقد نقل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا البيان بقوله وفعله كما بيناه سابقا وقد توفرت بحمد الله كل الدواعي لحفظ السنة النبوية ومن ذلك:
1 -أنها في الحكم قرينة القرآن فلذلك اعتني بها الصحابة رضوان الله عليهم فالتزموها، وأشاعوها، ونقلوها.
2 -أن الصحابة قد أوتوا من قوة الحفظ، وصفاء الذهن، وعظيم التقوى ما مكنهم من حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
3 -نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر أن يكتب حديثه حتى لا يختلط بالقرآن، وسمح لبعض الصحابة بالكتابة، وسمح بكتابة ما لا يختلط مثله بالقرآن كأسنان الإبل، ومقادير الزكاة.
ولما جمع القرآن وأصبح مأمونا أن يدخل فيه ما ليس منه، وحفظ في مصحف واحد، قام التابعون بتدوين السنة كتابة، فاجتمع للسنة الحفظ في الصدور، والكتابة في السطور.
4 -نقل التابعون وتابعوهم بإحسان سنة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الإسناد وهو أن ينقل اللاحق منهم عن السابق، والمبلغ عن الشاهد والراوي عمن قبله.
وقام علماء متخصصون كان همهم الأول جمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينها، وتمييز هذه الأسانيد صحيحها من ضعيفها ... وقام من أجل ذلك علم عظيم لم تعرفه أمة من الأمم السابقة التي تنقل عن أنبيائها كاليهود والنصارى ... وإنما اختصت الأمة الإسلامية به دون سواها .. وهذا العلم هو علم الإسناد، وتحته أكثر من ستين فرعا أو نوعا، ومن هذه الفروع وضع مصطلحات خاصة بهذا العلم، وضبط أسماء كل من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة تواريخهم وتفاصيل حياتهم، وضبط سني ولادتهم ووفاتهم، وتلاميذهم، وشيوخهم وأوطانهم. ثم وضع ضوابط لتقييم كل راوٍ ومتى تقبل روايته، ومتى ترد، ومتى تكون مقبولة في الشواهد والمتابعات وتقوية رواية أخرى.
وهذه العلوم التي سميت بعلوم الحديث لا توجد عند أمة قط غير الأمة الإسلامية وهذه العلوم كانت كفيلة بحمد الله أن تميز ما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما افتراه الكذابون وأرادوا إلصاقه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.