فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 135

قول الله تبارك وتعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} (الإسراء:15) وقوله سبحانه وتعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} (الأنعام:19)

فمفهوم هذا أنه من لم تبلغه النذارة فليس بمنذر، والدلالة العقلية تدل كذلك على أن الجاهل معذور وأن تكليف الجاهل تكليف بما لا يطاق، ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لتقوم الحجة على العباد، ولذلك قال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورًا* ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليمًا* رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا} (النساء:163 - 165)

فقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} أي تنقطع حجتهم، ولا يكون لهم عذر .. وأما من حيث الجهل ببعض الشرائع فإن الله عذر الجاهل بجهله كما قال تعالى: {ما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} (التوبة:115)

وقد نزلت هذه الآية عندما استغفر بعض المسلمين لآبائهم الذين ماتوا على الشرك فأنزل الله قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} (التوبة:113) ..

ولما نزلت هذه الآية خشي المؤمنون على أنفسهم من المؤاخذة فأنزل الله قوله: {وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} (التوبة:115) وهذا نص في أنه لا مؤاخذة إلا بعد البيان والبلاغ.

هذا وقد أجمع سلف الأمة على أنه لا تكفير للمتأول الذي جهل الحق، ولا حكم بالردة إلا بعد إقامة الحجة واستتابة المرتد، فلا يكون مرتدًا إلا من أقيمت الحجة عليه أو من قطعنا بأنه بلغته النذارة وعلم الحق.

وهذا معنى قولهم (جحد المعلوم من الدين بالضرورة كفر) والمعلوم من الدين بالضرورة هو الذي لا يسع مسلمًا جهله لنشوئه في دار الإسلام كتحريم المحارم في النكاح، ووجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ونحو ذلك ولكن يجب العلم أن هذه المسألة نسبية، وأن ما قد يكون معلومًا بالضرورة عند أناس لا يكون معلومًا عند آخرين لغلبة الجهل بالحق، ونشوء التأويل الفاسد من كثير من العلماء فكم من عالم أفتى بجواز دعاء غير الله، والتحاكم إلى غير شريعته والذبح والنذر لغيره، وبجواز شرب أنواع من الخمر، وجواز النظر إلى الصور العارية، وجواز القبلة للأجنبية، وحل أكل أنواع الربا، وجواز حلق اللحية ونحو ذلك إلى مما هو في الأصل داخل تحت المعلوم من الدين ضرورة لكثرة النصوص فيه، وتناقل الناس العلم به جيلًا بعد جيل ولذلك فالتعجل بالحكم بالكفر على من جهل ذلك إثم عظيم، وكذلك لا يجوز إقامة الحد والتعزير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت