الوقوف على نصوص القرآن والسنة التي تشكل بذاتها قاعدة كلية يبنى عليها، نحو قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (المائدة:49)
فهذه قاعدة كلية تفيد وجوب الحكم بالقرآن في كل المسائل والقضايا والفروع، ونحو قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر:7) ، وهذا الجزء من الآية قضية عامة كلية يندرج تحتها كل السنة، ومعنى هذه الآية أنه يجب عليكم أيها المسلمون أن تأخذوا وتعملوا بكل ما جاءكم به الرسول، وأن تنتهوا عن كل ما نهاكم عنه الرسول، وهذا يندرج تحته آلاف من الأحكام الشرعية العملية الثابتة بالسنة.
وهكذا بتتبع هذه النصوص وجمعها حررت قواعد هذا العلم.
وقد يظن أن الوصول إلى تدوين هذا العلم، وضبط قواعده كان عملًا سهلًا لكن في حقيقة الأمر قد أخذ من العلماء الذين سبقونا جهدًا فقد أمعنوا في قراءة القرآن والسنة بحثًا وتنقيبًا عن هذه القواعد، وهاك مثالًا يبين لنا الجهد الذي بذله العلماء حتى وصلوا إلى ذلك.
أخرج البيهقي بإسناده عن المزني أو الربيع قال: كنا عند الشافعي إذ جاءه شيخ عليه جبة صوف وعمامة صوف وإزار وفي يده عكاز فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه واستوى جالسًا وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ إذ قال له الشيخ: أسأل!! قال: سل.
قال: إيش الحجة من دين الله؟
قال الشافعي: اتفاق الأمة.
قال الرجل: من كتاب الله (أي قلت هذا مستندًا إلى القرآن) .
قال الراوي: المزني أو الربيع، فتدبر الشافعي ساعة، ثم قال الرجل للشافعي: قد أحلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن جئت بحجة من كتاب الله في الاتفاق وإلا تبت إلى الله!! فتغير لون الشافعي ثم إنه ذهب فلم يخرج إلا بعد ثلاثة أيام.
قال الراوي: فخرج إلينا في اليوم الثالث وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام -أي مريض- فجلس فلم يكن بأسرع إذ جاء الشيخ وسلم وجلس فقال: حاجتي!!
فقال الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا} (النساء:115)
ثم قال الشافعي: لا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض.
فقال الرجل: صدقت. وقام فذهب فلما ذهب الرجل قال الشافعي: قرأت القرآن كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقعت عليه. (انظر مفتاح الجنة للاحتجاج بالنسبة للسيوطي 68 - 69)