وعقل الإنسان يضيع بالسكر، ويتعطل به - ولذلك سمى المسكر خمرًا يخامر العقل ويستره ... ولذلك جاءت الشريعة الحكيمة بتحريم شرب الخمر لما يؤدي إليه شربها من ستر العقل وتغطيته وذلك حفاظًا على هذه الحاسة الجليلة والسر العظيم الذي أضحى به الإنسان إنسانًا، فشرعت لذلك عقوبة رادعة وهي الجلد أربعين جلدة (على الراجح الصحيح) وحرمت كل سبيل يوصل بها إلى الخمر كما قال صلى الله عليه وسلم: [لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه] (رواه أبو داود 3674 وصححه الألباني في صحيح الجامع 5091)
وحرم كذلك كل ما يفتر العقل كما جاء في الحديث: [نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر] (رواه أحمد 6/ 309 وأبو داود 3686 وفيه شمر بن حوشب وضعف الألباني اللفظة الأخيرة في ضعيف الجامع 6077)
وهذا يدخل فيه كل ما يخدر الجسم وينيم العقل والإحساس، وكل ذلك ولا شك للحفاظ على العقل الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة.
أما العقل الذي هو ملكة الفهم، وقواعد الإدراك فإن الإسلام قد جاء بما يحافظ على سلامة الفهم فنهى عن نشر الخرافات والخزعبلات، والأوهام وأمر أن يطالب كل أحد بدليل ما يقول، ونهى عن السحر والكهانة، وادعاء علم الغيب، والاتصال بالجن، وكل ما من شأنه أن يشوش الفهم السليم، ويصرف العقل عن مساره الصحيح، وفرض في بعض هذه الأمور عقوبات رادعة، وإن كان بعضها يدخل في باب الحفاظ على الدين، لأن بعضًا منها قد يؤدي إلى الردة والكفر ومعلوم أن حد الردة قد شرع حفاظًا على الدين.
الخلاصة: هذه باختصار المقومات التي جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها إقامة للأمة الصالحة التي هي هدف من أهداف الشريعة فهي الأساس للأمة الصالحة التي تحقق الهدف من خلق الإنسان وهو عبادة الله تعالى ووضعت عقيدة واحدة للأمة تجتمع عليها وذلك لتكون قلوبها واحدة، وتصورها للرب والكون والحياة واحدًا، ورسمت لها شريعة واحدة في كل شئون الحياة ليكون عملها واحدًا وصراطها في هذه الحياة صراطًا واحدًا، وجعلت محبة المسلم للمسلم فرضًا كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم] (رواه مسلم 54 من حديث أبي هريرة)
وشرعت من التشريعات ما يجعل المؤمنين متوادين متراحمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وحرمت الفرقة والخلاف بكل سبيل ووضعت عقوبات زاجرة لكل من اعتدى على مقوم من مقومات الحياة الأساسية، وهي: الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعرض، والعقل.