ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس.
ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب.
ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت.
ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتا فيما اعتقد من الصواب.
وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك.
ولا يكون بما قال أعني منه بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله ..
ومن لم يكن كما وصفنا فإنه لا يحل له أن يقول بقياس، وذلك لأنه لا يعرف ما يقيس عليه، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم، ولا خبرة له بسوقه.
ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة: فليس له أن يقول أيضا بقياس، لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني ...
وكذلك لو كان حافظا مقصر العقل، أو مقصرا عن علم لسان العرب، لم يكن له أن يقيس من قبل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس .. ولا نقول يسع هذا والله أعلم - أن يقول أبدا إلا اتباعا، لا قياسا" (الرسالة ص/509 - 511) "
وسيأتي لهذا مزيد من التفصيل إن شاء الله في شرائط المجتهد، وإنما قصدنا هنا التنبيه على أن شأن الاستدلال بالقياس ليس كشأن الاستدلال بالقرآن، والحديث، والإجماع، لأن الاستدلال بالقرآن ميسر واضح، وخاصة لطلبة العلم الذين يعرفون مواقع الآيات، ومعاني العربية، وما سيقت الآيات من أجله، وكذلك الأحاديث، ومواقع الإجماع، وأما القياس فإنه دليل لا يصلح الاستدلال به إلا لمجتهد، وأعني بالقياس هنا النظر الجديد، ومحاولة إلحاق الفروع الحادثة، والوقائع الجديدة بما يماثلها مما جاء حكمه في الشريعة، وأما القياس الذي قال به العلماء السابقون، والسلف الصالحون فلا بأس بنقله والاستدلال به، لأن الاستدلال بذلك من جنس الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع غير أنه أيضا يحتاج إلى معرفة دليل العالم القائل بالقياس لأن العلماء المجتهدين حرموا نقل فتاويهم، والإفتاء بها إلا لعالم بطريق استدلالهم كما قال الإمام أبو حنيفة:"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بقولي".