قال ابن حجر: واستدل به على أن التغذية بلبن المرضعة يحرم سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر فيوافق الخبر والمعنى.
قال الشافعي: والوجور كالرضاع وكذلك السعوط لأن الرأس جوف.
قال الكاساني: ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار، لأن المؤثر في التحريم هو حصول الغذاء باللبن وإنبات اللحم وإنشاز العظم وسد المجاعة لأن يتحقق الجزئية وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار لأن السعوط يصل إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذي ويسد الجوع والوجور يصل إلى الجوف فيغذي.
وممن ذهب إلى عدم ثبوت الرضاع بالشرب من الإناء أو الوجور ابن حزم، وقول للحنفية.
"وحجتهم في ذلك المعنى العام للرضاع".
وقد انتقد هذا القول بعدة اعتراضات:
1 -هذا خلاف ما عليه الجمهور من العلماء وهو الأصل من حيث ثبوت الأدلة التي ذكرناها.
2 -أن الرضاع في اللغة:"رضع أمه كسمع وضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة إلى أن قال: امتص ثديها" (4) وقال في مادة مصصته أنه بمعنى شربته شربا رفيقا.
ومن ثم فإن تعريف ابن حزم للرضاعة مبني على التعريف اللغوي لها بحيث وقف فيه عند مدلول النصوص ولم يتعد حدودها.
قلت: وقد بينا أنه على خلاف المعنى اللغوي أيضًا.
3 -أن المعنى الاصطلاحي للرضاع هو"اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في جوف طفل بشروط، ومن ثم فإن الرضاع يحصل بالشرب ولا يشترط أن يمص الثدي"
ثانيًا: أما عن احتجاجهم بحديث"إنما الرضاعة من المجاعة"بقولهم إن شرب اللبن يؤثر في الكبير كما يؤثر في الصغير. فهذا كلام غير صحيح.
قال ابن القيم: وقولكم إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير كما تطرد الجوع عن الصغير كلام باطل، فإنه لا يُعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلا، والذي يوضح هذا أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يرد حقيقة المجاعة، وإنما أراد مظنتها وزمنها ولا شك أنه الصغر.