ثم إن النص لم يصرح بأن الرضاع كان بملامسة الثدي، وسياق الحديث متعلق بالحرج من الدخول على بيت أبي حذيفة فكيف يرضى بالرضاع المباشر؟
قال ابن قتيبة: وقد كان سالم يدخل عليها وترى هي الكراهة في وجه أبي حذيفة، ولولا أن الدخول كان جائزًا ما دخل عليها، ولكان أبو حذيفة ينهاه، فأراد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بمحلها عنده وما أحب من ائتلافها ونفي الوحشة عنها - أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة ويطيب نفسه بدخوله، فقال لها:"أرضعيه".
ولم يرد ضعي ثديك في فيه كما يُفعل بالأطفال، ولكن أراد احلبي له من لبنك شيئًا ثم ادفعيه إليه ليشربه. ليس يجوز غير هذا؛ لأنه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثديها إلى أن يقع الرضاع، فكيف يبيح له مما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة، ومما يدل على هذا التأويل أيضًا أنها قالت: يا رسول اللَّه أرضعه وهو كبير، فضحك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: ألست أعلم أنه كبير، وضحكه في هذا الموضع دليل على أنه تلطف بهذا الرضاع لما أراد من
الائتلاف ونفي الوحشة من غير أن يكون دخول سالم كان حرامًا أو يكون هذا الرضاع أحل شيئًا كان محظورًا أو صار سالم لها به ابنًا.
وقد رُوي أن سهلة كانت تحلب لبنها في مسعط أو إناء فيشربه سالم كل يوم خمسة أيام.
قال ابن عبد البر: وقد أجمع العلماء على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن وإن لم يمصه من ثديها.
قلت: إلا أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
قال ابن تيمية: ولكن تنازع العلماء في السعوط وهو ما إذا دخل في أنفه بعد تنازعهم في الوَجُور (4) وهو ما يطرح فيه من غير رضاع، وأكثر العلماء على أن الوجور يحرم وهو أشهر الروايتين عن أحمد. ورجح قول الأكثريه وهو التحريم، واحتج بقول ابن مسعود لإرضاعَ إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم، وقال: ولأن هذا يصل إليه اللبن كما يصل بالإرضاع ويحصل من إنبات اللحم وانشاذ العظم ما يحصل بالرضاع فيجب أن يساويه في التحريم.