على أن طول ما يدعى ب «الحركات» ليس ثابتا، فقد يختلف نفر عن آخر في هذا الطول، وقد تختلف الفتحة في طولها عن نظيرتها الفتحة الأخرى في الكلمة الواحدة، ومثل ذلك يقال في الكسرة والضمة، ألا ترى أن الضمة في «حسام» غير الضمة في «كسر» المبنيّ للمجهول.
وإذا كان الناس متفاوتين في إخراج هذه الأصوات القصيرة بحسب طولها، فهم متفاوتون أيضا في إعطاء شيء من هذه الفتحة إلى شيء من تلك الكسرة.
وهم متفاوتون أيضا في الأصوات الطويلة، فقد يختلف اثنان في مدّ كلمة «شاعر» مثلا، فبعضهم يمد الفتح فيكون الألف، وآخر يقصر الفتح قليلا، فيحمل الضيم على كسرة «العين» فتطول قليلا.
ومن أجل حسن الأداء يصار إلى القصر كما أشرنا في أصوات اللين، ألا ترى أن «يا» ، أداة النداء يتحقق فيها المدّ كاملا، إذا وليها صوت متحرك فتقول: «يا عبد الله» ، ولكنها تقصر كثيرا حتى تتحول إلى صوت قصير هو الفتحة إذا وليها صوت ساكن نحو: «يا ابن مالك» .
ولقد كان مقدار المدّ مظهرا من مظاهر اللهجات الخاصة في العربية الواسعة الرقعة. وما أظن أن كلمة «سلسل» ، وكلمة «سلسال» ، وهما بمعنى، إلّا شيء من هذا.
ثم ألا ترى أن طائفة من العرب في عصرنا يقولون «عمود» ، وآخرين يقولون: «عامود» في نطقهم الدارج.
8 -وقال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) .
تشتمل هذه الآية على فقر متسقة النظام، متساوقة يكاد يتصل بعضها ببعض، وهذا النظام يتيح لمن يتلو أن يعمد إلى ضرب من التقسيم يسعفه بوقفات إن شاء، لا تنال من الوحدة الموضوعية التي تجعل من هذه الأقسام ما يأخذ بعضها برقاب بعض.
ومثل هذا يتحقق في الآية اللاحقة 27:
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) .
قلت: إن هذه الفقر تتيح لمن يتلو أن يقف وقفات، إن أحسّ أنّ الوقف يحسن في تجويد التلاوة، والوقف جائز، على أنه أحسن من الوصل، وقد يكون العكس، وهو جواز الوقف في حين يكون الوصل أولى.
هذا كله من الرّخص فسحة للقارئ في تجويد التلاوة المحكمة.