فقد تجوز بالرحمة وأراد بها الجنة، لأن الخلود إنما يتم فيها، ولما كانت الجنة محلا ومقاما للرحمة، والرحمة حالّة بها، عبر عنها بما هو حال فيها، وهو الرحمة والمراد الجنة.
وهكذا تجد علاقة المجاز اللغوي المرسل متعددة، ووجوه ارتباطاته متشابكة، واكتفينا بهذا القدر الجامع في الإيراد، عما توسع به البلاغيون من الأصناف.
السبب في هذا أن البلاغيين قد أغاروا في جملة من الأصناف على علم المعاني كما نذهب إليه جزء لا يتجزأ من علم النحو العربي، أهمل النحاة جانبه، فأكد البلاغيون التقليديون صلته بالبلاغة.
على أن في المعاني لمسات بلاغية، وشذرات بيانية، ولكن رأينا أنه بالنحو ألصق. فإذا رأينا جملة من البلاغيين قد بحثوا المجاز اللغوي المرسل، وعددوا أصنافه، أشتاتا من مفردات علم المعاني، فهذا ما لا يتفق مع منهجنا.
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (145) }
التعبير بالإذن عن المشيئة، لأن الغالب أن الإذن في الشيء لا يقع إلا بمشيئة الإذن واختياره، والملازمة الغالبة مصححة للمجاز، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .
أي بمشيئة الله، ويجوز في هذا أن يراد بالإذن أمر التكوين، والمعنى «وما كان لنفس أن تموت إلا بقول الله موتي» .
وهذا من المجاز العقلي، وعلاقته السببية كما هو واضح، أو أنه من المجاز المرسل باعتبار الإذن تعبيرا عن المشيئة وعلاقته السببية أيضا.
{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ... (167) }
مجاز لغوي مرسل، ذكر فيه لفظ المحل، وأريد به الحال فيه، وهو المعني بقول الخطيب القزويني (ت: 739 هـ) تسمية الحال باسم محله.
ففي الآية تجوز بإطلاق الأفواه لإرادة الألسن، لأن القول لا يصدر إلا عن اللسان، ولما كان موقع اللسان هو الفم، عبّر بالأفواه تجوزا عن الألسن الحالّة فيه. انتهى انتهى {مجاز القرآن، للدكتور/ محمد حسين الصغير} ...