إن جمع الإنسان هذا كله قدر له أن يكون من الربانيين فِي العلم . والحوادث المعاصرة ميزت كثيرا من الربانيين عن غيرهم . فالربانيون من العلماء لا يلقون الناس فِي المهالك . والشاطبي رحمة الله فِي الاعتصام وفي الموافقات وهي كتب فِي التأصيل العلمي بين كثيرا فِي معنى الربانية وتكلم على ما ينبغي أن يكون عليه العالم الحق الذي يسوس الناس فِي أيام الفتن العالم . الذي يسوس الناس فِي أيام الفتن لا يهمه أن يجيب على السؤال وإنما يهمه أن ينظر فِي المآل . أعيد العالم الرباني الذي يسوس الناس فِي أيام الفتن لا يهمه أن يجيب على السؤال حتى يقال عالم ويتخلص منها وإنما يهمه أن ينظر فِي المآل قبل أن يتكلم . فينظر مآل قوله مآل فتواه وعاقبتها على عامة الناس قبل أن يتفوه بها حتى يكون الناس على بينه من أمرهم فِي دين الله جل وعلا وتلك منازل الكل يطلبها وقليل من يحصل عليها بلغنا الله وإياكم إياها .
(ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) الباء فِي الحالتين سببيه . والمعنى بما أنكم رزقتم الكتاب تعلمونه وتدرسونه وتدرسونه فإنه ينبغي عليكم أن تكونوا ربانيين وأنتم تسوسون الناس .
ثم قال سبحانه (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) الواو هنا عاطفة على الصحيح . والمعنى إن هذا النبي يقول لقومه إن الله لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا , ذلك أن لب دعوة الرسل هي إقامة التوحيد , فلو جاء نبي وطلب من الناس أن يعبدوا الملائكة ويعبدوا النبيين لخالف هذا جوهر الرسالة التي بعث من أجلها . فما أنزل الله الكتب ولا بعث الله الرسل ولا نصب الله الموازين ولا أقام البراهين إلا ليعبد وحده دون سواه . فعلى هذا كان بدهيا أن الأنبياء والمرسلين يأمرون الناس أن يفروا من الربوبية العبودية إلا أن يعبدوا الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه .