اليوم في الخلق، فالواجب على السالك أن يجتهد في حفظ الأنفاس، ومراعاة الأوقات لئلا يضيع نفساً من الأ نفاس، ولا يمشي عليه وقت من الأوقات إلا وهو ذاكر كاسب معرفة جديدة لنفسه الجديدة؛ لأن كل نفس عليه حقاً كما أن له من كل نفس حظاً فحظه من النفس الحياة، ومن النفس عليه ذكر الله ليكتسب به معرفة من معارف الصفات والذات، ولو غفل عن الذكر في بعض الأوقات ينبغي أن يتداركه في الغدو والأصال، ولا يجوز للسالك أن يمضي عليه يوم ولا يشتغل بالذكر على شرط النفي والإثبات بعد صلاة الصبح إلى وقت الإشراق، وعند الغروب إلى سقوط الشفق الأحمر ومن غفل في هذين الوقتين عن الذكر فهو مُدَّع كذَّب ليس من أهل السلوك، ولو كان خلا ألف خلق، {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} [المنافقون: 10] من الاستعدادات القوى السفلية والعلوية {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] يعني: يجب على السالك أن ينفق قواه واستعداده الحاصل في عالم البشرية على وفق أمر الوارد من قبيل أن يدخل وقت انتزاع الاستعدادات، ويكشف غطاؤه فيقول: رب لولا أخرتني لأني علمت حتى أصدق وأعمل صالحاً {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} [المنافقون: 11] يعني: لا يمكن بعد حلول الأجل المعلوم أن يؤخر لأحد {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11] يعني: عليهم بأعمالهم وضمائرهم لو ردوا لما نهوا عنه، وأنهم خلقوا مظاهر لقهره ولا يعملون صالحاً، ولا ينفقون نفقة إلا رياء وسمعة، ولا يجتهدون في تزكية قواهم وتصفية نفوسهم؛ لأنهم قوم لا يعلمون حكمة إرسال اللطيفة إليهم، ولا يفقهون أحكام الوارد على اللطيفة المرسلة.