يا أيتها اللطيفة الخفية المرسلة لا يغرنك القوى المنافقة النفسية بلين كلامهم وأيمانهم الكاذبة، وافهمي ما قال الله تعالى في كتابه الكريم لحبيبه صاحب الخلق العظيم حيث جاءه المنافقون، وقالوا له إنك لرسول الله وأضمروا خلاف ما أظهروه، وجعلوا {أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] وستراً لأنفسهم ليغتر الرسول بكلامهم وإيمانهم، وبترك مقاتلتهم بقوله: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1 - 2] شهد الله على رسالة الرسول أولاً ثم يشهد على كذب المنافقين فيما يظهرون؛ لأن الله مطلع على ضمائرهم على أنهم أضمروا خلاف ما أظهروا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يغتر بشهادتهم وإيمانهم، فكذلك أيتها اللطيفة المرسلة ينبغي ألا يغتر بالقوى المنافقة؛ لأنهم إذا علموا منك الصدق في المجاهدة، وثبات القدم في ترك الهوى، وجاءوك ونافقوك وداهنوك والتمسوا منك أن تلقنهم الذكر، ويأخذوا منك تلقين الذكر، وكل ذلك لشعورهم بصدقك في المجاهدة لكي توافقهم وتواسيهم بأن النفس قد صارت مؤمنة، فالواجب عليك إعطاء حقها؛ لأن الله تعالى بين للسالك ثلاث مقامات في قوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ} [فاطر: 32] فالسالك المبتدئ ينبغي أن يكون ظالماً لنفسه يأخذ منها حقها وحظها إلا مقدار ما يبقى رمقها، ويتقوى به على الطاعة وإلى هذه النفس أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"أعدى أعدائك عدوك نفسك التي بين جنبيك"والمقتصد هو السالك المتوسط ينبغي أن يقصد في المجاهدة ويرفق بالنفس؛ لأنها صارت في هذه المرتبة