وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} (الْإِسْرَاءِ: 72) فَإِنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ مِنْهُ وَالثَّانِي أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} (الْإِسْرَاءِ: 72) وَلِهَذَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الْأَوَّلَ بِالْإِمَالَةِ لِأَنَّهُ اسْمٌ، وَالثَّانِي بِالتَّصْحِيحِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ اسْمٌ، وَمَا هُوَ أَفْعَلُ مِنْهُ بِالْإِمَالَةِ وَتَرْكِهَا. فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَا يَأْتِي مِنَ الْخَلْقِ، فَلَا يُقَالُ: زَيْدٌ أَعْمَى مِنْ عَمْرٍو؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ. قُلْتُ: إِنَّمَا جَازَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ، أَيْ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى الْقَلْبِ عَمَّا يَرَى مِنَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا يُؤْمِنُ بِهِ فَهُوَ عَمَّا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ أَعْمَى أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ؛ أَيْ أَشَدُّ عَمًى. وَلَا شَكَّ أَنَّ عَمَى الْبَصِيرَةِ مُتَفَاوِتٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (الْبَقَرَةِ: 153) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: الْأَشْبَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّبْرِ هَاهُنَا الصَّبْرُ عَلَى الشَّدَائِدِ؛ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ مَدْحَ الصَّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} (الْبَقَرَةِ: 154) إِلَى قَوْلِهِ: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} (الْبَقَرَةِ: 155 وَ 156) .
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فِي السُّورَةِ مَعَهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ، مِنَ أَقْسَامِ بَيَانِ الْقُرْآنِ الْوَاضِحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الْفَاتِحَةِ: 4) وَبَيَانُهُ فِي سُورَةِ الِانْفِطَارِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (الِانْفِطَارِ: 17 - 18) .