قلت: الإشارة إلى أن هذا النظم الذي هو من أعماله وإن كان عملا صالحا، وكذلك جميع الأعمال، ليس هو موجبا للفوز الأخروى، وأنه غير ناظر إليه ولا معتمد عليه، وأن الفوز إنما يحصل برحمة الله تعالى.
ومن رحمة الله تعالى أن ييسر للعبد في الدنيا أفعال الخير ولذلك خص الدعاء بالرحمة إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد الجنّة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا، إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته» .
وأكد طلب الرحمة ثانيا بقوله: (استر) وهو من ذكر الخاص بعد العام؛ لأنه إذا ستره غفر له ذلك الذنب الذي ستره منه، والستر أيضا ضرب من الرحمة، ثم أكد طلب الرحمة ثالثا بطلب المغفرة التي هي أهم أنواع الرحمة في حقه، وهو ترتيب حسن جدّا،
والله أعلم.
ص:
الحمد لله على ما يسّره ... من نشر منقول حروف العشرة
ش: (الحمد لله) : اسمية، وفى خبرها الخلاف المشهور: هل الجار والمجرور أو متعلّقه وهو الأصح؟ وهل المتعلّق اسم، وهو الأصح، أو فعل؟ وهل ضمير المتعلّق انتقل إلى المتعلّق وهو الأصح أو على حاله؟
وإنما عدل إلى الرفع في (الحمد [لله) ] ليدل على عمومه وثبوته له دون تجدده وحدوثه، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها، والتعريف فيه للجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد، أو للاستغراق؛ إذ الحمد في الحقيقة كله لله، إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة أو بغير واسطة، [كما] قال تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53] ومنه إشعار بأن الله تعالى حى قادر مريد عالم، إذ الحمد لا يستحقه إلا من هذا شأنه.
والحمد: هو الثناء باللسان على قصد التعظيم سواء تعلق بالفضائل أو بالفواضل.
والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما، سواء كان قولا باللسان أو عملا بالأركان أو اعتقادا أو محبة بالجنان؛ فعلى هذا لا يكون مورد الحمد إلا اللسان، ومتعلقه تارة يكون نعمة وتارة غيرها، ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة، ومورده يكون اللسان وغيره.
فالحمد على هذا [يكون] أعمّ من الشكر باعتبار المتعلّق وأخصّ باعتبار المورد، والشكر أعم باعتبار المورد وأخص باعتبار المتعلق: فبينهما عموم وخصوص من وجه، فالثناء باللسان في مقابلة الفواضل يصدقان عليه، وفى مقابلة الفضائل حمد، والثناء بالجنان أو الأركان شكر.
والله: اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد.