فالجملة الكريمة ترغيب في العفو والصفح بأبلغ أسلوب، وقد صح أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما سمع الآية قال: بلى والله يا ربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا، وأعاد إلى مسطح نفقته، وفي رواية: أنه - رضي الله عنه - ضاعف لمسطح نفقته.
قال الآلوسي: «وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدل بها على فضل الصديق - رضي الله عنه - لأنه داخل في أولى الفضل قطعا، لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول، ولا يضر في ذلك الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر .. » .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يرفع من شأن العفو والصفح فقال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: والله - تعالى - كثير المغفرة، وواسع الرحمة بعباده، فكونوا - أيها المؤمنون - أصحاب عفو وصفح عمن أساء إليكم.
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بالعفو والصفح عمن استزلهم الشيطان، فخاضوا في حديث الإفك ثم ندموا وتابوا، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة المصريين على خبثهم وعلى محبة إشاعة الفاحشة في صفوف الجماعة الإسلامية فقال - تعالى -:
[سورة النور (24) : الآيات 23 إلى 26]
(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ(23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
والمعنى: «إن الذين يرمون» بالفاحشة النساء «المحصنات» أي: المانعات أنفسهن عن كل سوء وريبة «الغافلات» أي: الغافلات عن أن تدور الفاحشة بأذهانهن، لأنهن طبعن على التخلق بالأخلاق الفاضلة الكريمة، فهن فوق كونهن محصنات، لا يخطر السوء ببالهن لطهارة معدنهن.
«المؤمنات» أي: الكاملات الإيمان بالله - تعالى - ، وبصدق رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبكل ما يجب الإيمان به.