(وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(22)
. (1) ولا يأتل: ولا يحلف، من الإيلاء.
تنهى الآية الذين وسع الله عليهم الرزق والفضل عن الحلف بعدم الإنفاق على المحتاجين من ذوي قرباهم والمساكين والمهاجرين في سبيل الله. وتأمرهم بالعفو والصفح. وتسألهم سؤال حثّ وتحريض عما إذا لم يحبوا أن يغفر الله لهم.
وتنبههم إلى صفتي الله الغفور الرحيم. كأنما تهيب بهم إلى التخلّق بهما.
والمفسرون متفقون على أن الآية في صدد يمين حلفها أبو بكر الصديق بأن لا ينفق على قريبه مسطح الذي كان من العصبة التي جاءت بالإفك ولا ينفعه بشيء وقد ورد هذا في حديث عائشة الذي ذكرت فيه أنه كان سبب نزول الآية.
وهكذا تكون الآية متصلة بموضوع السياق السابق. ومن المحتمل أن تكون نزلت لحدتها فوضعت في ترتيبها للتناسب الموضوعي. ومن المحتمل أن تكون نزلت مع السلسلة التي نزلت كما يبدو واضحا من مضمونها وروحها بعد انتهاء قضية حديث الإفك على سبيل الإنذار والتنديد والتنويه والتبرئة والتهدئة. وهو ما نرجحه. والله أعلم.
ولقد ذكرنا قبل أن المفسرين رووا أن مسطحا كان من جملة الذين أقام النبي صلى الله عليه وسلم عليهم حدّ القذف. وروح الآية تفيد أنه ندم وتاب فتاب الله عليه.
واقتضت حكمة التنزيل بعد ذلك معالجة أمر قسم أبي بكر بالامتناع عن النفقة عليه فجاءت الآية بأسلوبها الرائع مما جرى عليه النظم القرآني في معالجة مثل هذه الحوادث وتهذيب نفوس أصحاب رسول الله في ظروفها وبثّ التسامح بينهم.
وقد روى المفسرون أن أبا بكر رضي الله عنه قال حينما نزلت الآية إني والله لأحبّ أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه حيث ينطوي في هذا صورة لأخلاق أصحاب رسول الله وإذعانهم لأوامر الله وتوجهاتهم وكبت غيظهم بسبيل ذلك.