الْكَاذِبُونَ (13) . فهؤلاء كاذبون لو جاءوا بالشهداء لكانوا شهداء زور؛ لزكاء
المقول فيه وبراءته من قبيح مقالهم، وبالغ مع ذلك في الموعظة والنهي عن العود
إلى مثلها والإيذاء في ذلك والإعادة، واندرج حماية سائر المؤمنين والمسلمين في
ظل ذلك، كما قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(20)
ثم لا بد أن يكون فيمن دخل في عام الإيمان وشمله ظل دين الإسلام
من نزول عن كمال الطهارة والزكاء إلى خيانة وسرقة وغير ذلك، والله يحب
المتطهرين ويحب المحسنين.
فأنزل على أثر ما تقدم ذكره في نحو ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ... (27) .
وفي قراءة أُبي:"حتى تسلموا وتستأذنوا"وكذلك كان يقرؤها ابن عباس:"حتى تستأذنوا"
وتسلموا"."
والاستئناس في اللغة: الاستئذان، والاستئناس قد يكون بكلام وبتنحنح،
والاستئناس أيضًا قد يكون بأن يقول لمن رآه يدخل على القوم:"استأذن عليهم"
ونحو هذا، يقال من ذلك: أنست وآنست، بمعنى: رأيت وأحسست، قال الله تعالى:
(آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا)
بمعنى: رأيت وآنست من فلان كذا، أي: أحسست، فقوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي:
حتى تروا من تأنسوا به من داخل عليهم، فإن أصل هذه الكلمة من الأنس.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"للداخل دهشة فابدءوه بالسلام"وفي قوله بعد هذا ما
يؤيد ما ذهبنا إليه.
قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا) يريد - والله أعلم بما ينزل: إن
لم تجدوا فيها أحدً يستأذن لكم فلا تدخلوها(حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ
ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ)أي؛ طلبكم هذا وامتثالكم ما تؤمرون به من هذا؛
هو أزكى لكم، ثم أكد الأمر بقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) .