فإن قالوا: فهل تقطعون بهذا الخبر على أنّ القومَ كانوا يعُدُّون فِي زمن
الرسول صلى الله عليه أم لا ؟
قيل لهم: لا لأنه من أخبار الآحاد التي لا تُوجِبُ علما.
فإن قيل: أفتُجوِّزون أن يكونوا قد كانوا يعُدُّون إذ ذاك ؟
قيل لهم: يجوز ذلك.
فإن قيل: فهل تجوِّزون أن يكونَ عددُهم لآياتِ السور وقدر الآياتِ
متفِقاً أو أن يكون ذاك مختلفا ؟
قيل لهم: أجل ، يجوز أن يكونوا قد عدُّوه فِي عصره صلى الله عليه
عددا متفِقاً غيرَ مختلف ، غيرَ أنّهم عدُّوا ذلك لأنفسِهم استعانةً به على تقييد
الحفظِ وضبط السور من غير أن يَنُصَّ لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، فلذلك لم ينقل عنه شيء ٌ فِي هذا الباب ، فلما انقرض ذلك العصر ولم يُنقل ذلك العددُ عنهم لأنّه لم يكن من فرائضِ دينهم ولا مما نصَّ لهم الرسول عليه وأحْدَّهم به: ذهب على من بعدَهم العددُ الذي كانوا اتفقوا عليه فِي زمن الرسول ، والناسُ من بعدهم يعُدُّون ذلك لأنفسِهم ، وبحسب ما أدّاهم الاجتهادُ إليه.
ويجوز أيضاً أن يكونوا قد عدَّوا على عصر الرسول وعندَ القراءةِ عليه
عدّاً مختلفاً ، وعرضوه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وعرَفَ اختلافَهم فيه ، وأقرَّهم على جميعِه ، وسنح لكل واحدٍ منهم العملَ بما غلبَ على ظنه ، إذا عَلِمَ أنّه يقصد
بذلك تقييدَ حفظِه وضبطَه ، والاستعانةَ عليه ، ولم يكن الله سبحانه قد أمره
بتوقيفهم على حذً محدودٍ وشيء ٍ معلومٍ فِي ذلك ولا ألزمَهم إيَّاه ، فما ندري
أنّه كان ذلك كذلك ، فكيف كان حقيقةُ هذا الأمر منهم على زمن الرسول.
وقد يجوزُ أيضاً أن لا يكونوا تشاغلوا بعدد متفَقٍ ولا مختلَفٍ فِي زمن
الرسول ، بل أقبلوا على حفظ القرآن فقط على سياق آياتِ سُوَره وتعرُّفِ
أحكامه وحلاله وحرامه ، ورأوا أن التشاغلَ بعدد الآي ومواضعِ الفُصُول من